Free Web Space | BlueHost Review  

ثقتي في السيد المسيح

بقلم

جوش مكدويل

 

هذا الكتاب

هذا الكتاب هام للغاية لأنه يتحدث عن السيد المسيح، من هو؟ هل هو ابن اللّه؟

وإجابة هذا السؤال هامة جداً، لأنه لو أن المسيح كان حقاً كما قال عن نفسه: المخلّص المنتظَر، وابن اللّه، فإن صلتنا الأبدية نحن البشر باللّه تتوقف على صلتنا بالمسيح في هذا العالم. وفي هذا الكتاب سنتحدث عن المسيح المخلّص العظيم.

 

الفصل الأول

 

السيد المسيح في التاريخ

في مناظرة نظمها طلاب إحدى جامعات الوسط الغربي في أمريكا، افتتحَتْ مُناظِرتي حديثها بالقول (وهي ماركسية): المؤرخون اليوم يرفضون أن السيد المسيح شخصية تاريخية . ولم أصدق أذنيَّ، ولكني كنت سعيداً لأن 2500 طالباً يحضرون المناظرة أدركوا أنها لم تدرس التاريخ. وكنت أحمل معي بعض الوثائق لأستخدمها في المناظرة، والأمر الثابت هو أن المؤرخين يؤكدون أن المسيح شخصية تاريخية، ولا يقولون إن المسيح شخصية أسطورية.

قال الأستاذ بروس من جامعة مانشستر: قد يلهو بعض الكتَّاب بالقول إن يسوع أسطوري، دون أن يعتمدوا على أدلة تاريخية، ذلك أن يسوع المسيح - عند المؤرِّخ المنصف - شخص تاريخي، كما أن يوليوس قيصر شخص تاريخي. إن المؤرخين لا ينكرون أبداً تاريخية المسيح (1).

(1) هذا الرقم هو رقم المرجع الذي أخذنا عنه هذا الاقتباس وتجد قائمة بمراجعنا في نهاية الكتاب.

أولاً - مراجع مسيحية لتاريخية المسيح:

هناك سبع وعشرون وثيقة تشهد لتاريخية المسيح، هي أسفار العهد الجديد. وتساءل جون مونتجمري: ماذا يعرف المؤرخ عن يسوع المسيح؟ ويجيب: يعرف أن أسفار العهد الجديد يمكن الاعتماد عليها لتقديم صورة صحيحة للمسيح. ويدرك المؤرخ أن هذه الصورة لا يمكن رفضها على أساس افتراضات فلسفية أو مناورات أدبية أو تفكيرات خيالية (2).

وقد كتب آباء الكنيسة عن المسيح كشخص تاريخي، من أمثال بوليكاربوس، ويوسابيوس وإيريناوس وأغناطيوس وأوريجانوس وجستن مارتر وغيرهم.

(راجع الفصل الرابع من كتاب ثقتي في التوراة والإنجيل للمؤلف لتجد الأدلة والاقتباسات).

ثانياً - مراجع من خارج الكتاب المقدس تشهد لتاريخية المسيح:

1 - كرنيليوس تاسيتوس: Cornelius Tacitus

وُلد ما بين عامي 52 و 53 م وهو مؤرخ روماني، كان حاكماً لآسيا عام 112 م، وهو زوج ابنة يوليوس أجريكولا حاكم بريطانيا من 80 - 84 م. وقد كتب تاسيتوس عن موت المسيح ووجود المسيحيين في روما خلال حكم نيرون، قال:

إن كل العون الذي يمكن أن يجيء من الإنسان، وكل الهبات التي يستطيع أن يمنحها أمير، وكل الكفارات التي يمكن أن تُقدَّم إلى الآلهة، لا يمكن أن تُعفي نيرون من جريمة إحراق روما. ولكن لكي يقضي على هذه الإشاعة اتَّهم الذين يُدْعون مسيحيين ، ظلماً بأنهم أحرقوا روما، وأوقع عليهم أشد العقوبات. وكان الأغلبية يكرهون المسيحيين. أما المسيح - مصدر هذا الاسم - فقط قُتل في عهد الوالي بيلاطس البنطي حاكم اليهودية في أثناء سلطنة طيباريوس. وقد أمكن السيطرة على خرافته بعض الوقت، لكنها عادت وانتشرت، لا في اليهودية فقط حيث نشأ هذا الشر، لكن في مدينة روما أيضاً .

ويشير تاسيتوس مرة أخرى للمسيحية عندما يتحدث عن إحراق هيكل أورشليم عام 70 م (كما ذكر سلبيوس سرفيوس في تاريخه في الكتاب الثاني).

2 - لوسيان: Lucian of Samosata

الكاتب الساخر في القرن الثاني الميلادي، تحدث باحتقار عن المسيحية والمسيحيين، وربطهم بمجامع فلسطين، وقال عن المسيح: الرجل الذي صُلب في فلسطين لأنه جاء بديانة جديدة إلى العالم.. وفوق ذلك فقد قال لأتباعه إنهم إخوة لبعضهم، بعد أن أخطأوا برفض آلهة اليونان وعبادة السوفسطائي المصلوب والحياة طبقاً لتعاليمه .

3 - فيلافيوس يوسيفوس: َFlavius Josephus

المؤرخ اليهودي الذي وُلد عام 37 م، وصار فريسياً في التاسعة عشرة من عمره. وفي سنة 66 م صار قائداً للقوات اليهودية في الجليل. وبعد وقوعه في الأسْر التحق بالقيادة الرومانية، وقال: في غضون هذا الوقت كان يسوع، الرجل الحكيم، إن كان يحلّ لي أن أدعوه رجلاً، لأنه عمل أعمالاً عجيبة، وعلَّم تعاليم قَبِلها أتباعه بسرور، فجذب لنفسه كثيرين من اليهود والأمم. إنه المسيح. وعندما حكم بيلاطس عليه بالصلب، بناءً على طلب قادة شعبنا، لم يتركه أتباعه، لأنه ظهر لهم حياً بعد اليوم الثالث، كما سبق للأنبياء القديسين أن تنبأوا عن هذا وعن عشرة آلاف من الأشياء العجيبة الأخرى عنه. أما الطائفة التي تبعته فهي طائفة المسيحيين الموجودين إلى يومنا هذا .

وقد وُجدت مخطوطة كتبها الأسقف أبابيوس في القرن العاشر الميلادي باللغة العربية عنوانها: كتاب العنوان المكلَّل بفضائل الحكمة المتّوَج بأنوار الفلسفة وحقائق المعرفة قال في مقدمة أحد أجزائها: وجدنا في كتب كثيرين من الفلاسفة إشارتهم إلى يوم صلب المسيح ثم أورد إقتباسنا من كتابات يوسيفوس المذكور أعلاه.

ويشير يوسيفوس أيضاً إلى يعقوب أخي يسوع، في وصفه لأعمال حنَّان رئيس الكهنة، فيقول: تسلَّم حنَّان رئاسة الكهنة، وكان شجاعاً جداً، واتَّبع طائفة الصدوقيين الذين كانوا سيفاً مسلطاً على اليهود، كما سبق أن أشرنا. وقد انتهز حنان فرصة موت فستوس، وفرصة أن الحاكم الجديد ألينوس لم يكن قد وصل بعد، وجمع مجلس قضاة، وجاء أمامه بيعقوب أخي يسوع الذي يُدعى المسيح، ومعه آخرين، ووجَّه لهم تهمة كسر الناموس وسلَّمهم للرجم (1).

4 - سيوتونيوس: )120 م) ِSuetonius

مؤرخ روماني كان أحد رجال بلاط الإمبراطور هادريان، قال: لما كان اليهود يسبّبون شغباً ضد ما قام به المسيح. فقد طردهم الإمبراطور من روما . وكتب أيضاً: أوقع نيرون العقوبات على المسيحيين، وهم جماعة من الناس يتبعون بدعة شريرة جديدة .

5 - بلني الصغير: Pilinius Secundus

(أو بلنيوس سكندس) حاكم بيثينية في آسيا الصغرى عام 112 م، كتب إلى الإمبراطور تراجان يطلب نصيحته في طريقة معاملة المسيحيين، وأوضح أنه كان يقتل الرجال والنساء والأولاد والبنات منهم. وكثُر عدد القتلى حتى أنه تساءل إن كان يستمر في قتل كل من يعتنق المسيحية، أو أن يكتفي بقتل البعض فقط. وقال إنه أجبر المسيحيين على السجود لتماثيل تراجان كما أنه جعلهم يلعنون المسيح، والمسيحي الحقيقي لا يمكن أن يفعل ذلك. وقال في نفس الخطاب عن الذين كان يحاكمهم: لقد أكَّدوا أن جُرْمهم الوحيد هو أنهم اعتادوا أن يجتمعوا في يوم خاص قبل بزوغ النهار، ويرنموا ترنيمة للمسيح على أنه اللّه، ويتعهَّدوا عهد الشرف ألاَّ يرتكبوا شراً أو كذباً أو سرقة أو زناً، وألاَّ يشهدوا بالزور أو ينكروا الأمانة .

6 - ترتليان: Tertullian

في دفاع عن المسيحية (197 م) أمام الحكام الرومان في أفريقيا يذكر ما تبودل بين طيباريوس وبيلاطس البنطي، ويقول: بناءً على ما وصل طيباريوس من أن المسيحيين انتشروا في العالم، وما بلغه عن حقيقة لاهوت المسيح جمع طيباريوس مجلسه الحاكم وحكى لهم الأمر، وأعلن قراره في صف المسيح. ولما لم يكن المجلس هو الذي أعطى الموافقة، فقد رفض الفكرة. ولكن طيباريوس قيصر تمسك بفكرته وهدَّد بعقاب من يتَّهمون المسيحيين. ولكن بعض المؤرخين يشكّون في صحة هذه الحادثة التي ذكرها ترتليان.

7 - ثالوس المؤرخ السامري: Thallus

وهو من أوائل الكُتّاب الأمميين الذين ذكروا المسيح، عام 52 م، ولكن كتاباته ضاعت، ولا نعرف عنها إلا ما اقتبسه منها كتَّاب آخرون. وقد اقتبس كاتب مسيحي اسمه أفريكانوس (221 م) من كتابات ثالوس، قال: إن ما ذكره ثالوس في ثالث كتبه التاريخية من أن الظلمة كانت بسبب كسوف الشمس، ليس صحيحاً، لأن كسوف الشمس لا يحدث في وقت كمال القمر، وقد حدث صلب المسيح وقت الفصح، وهو وقت كمال القمر .

ومن هذا الاقتباس نرى أن إظلام الشمس وقت صلب المسيح كان حقيقة معروفة، احتاجت إلى تفسير من غير المسيحيين الذين شاهدوها (1).

8 - رسالة مارا بن سيرابيون: Mara Bar-Serapion

يقول ف. بروس: توجد في المتحف البريطاني مخطوطة تحوي رسالة ترجع إلى ما بعد سنة 73 م (لا ندري بالضبط متى) كتبها سوري اسمه مارا بن سيرابيون إلى ابنه سيرابيون. وكان الأب مسجوناً في ذلك الوقت، ولكنه كتب يشجّع ولده على طلب الحكمة ويقول له إن من اضطهدوا الحكماء أصابهم سوء الحظ، ويضرب مثلاً بموت سقراط وفيثاغورس والمسيح فيقول: أية فائدة جناها الأثينيون من قتل سقراط؟ لقد أصابهم الجوع والوبأ عقاباً على جريمتهم. أية فائدة جناها أهل ساموس من إحراق فيثاغورس؟ لقد تغطت بلادهم بالرمال فجأة. أية فائدة جناها اليهود من قتل ملكهم الحكيم؟ لقد زالت مملكتهم بعد ذلك. لقد انتقم اللّه بعدلٍ لهؤلاء الثلاثة. مات الأثينيون جوعاً، وطغى البحر على الساموسيين، وطُرد اليهود من بلادهم وعاشوا في الشتات. ولكن سقراط لم يمت إلى الأبد، فقد عاش في تعاليم أفلاطون، ولم يمت فيثاغورس للأبد فقد عاش في تمثال هيرا، ولم يمت الملك الحكيم للأبد فقد عاش في التعاليم التي أعطاها (1).

9 - جستن الشهيد: Justin Martyr

كتب حوالي عام 150 م دفاعاً عن المسيحية وجَّهه إلى الإمبراطور أنطونيوس بيوس، أشار فيه إلى تقرير بيلاطس، الذي افترض جستن أنه محفوظ في الأرشيف الإمبراطوري، قال: القول ثقبوا يديَّ ورجليَّ - وَصْفٌ للمسامير التي دُقَّت في يديه ورجليه على الصليب. وبعد صلبه اقترع صالبوه على ثيابه وقسموها بينهم. أما صدق ذلك كله فيمكن أن تجده في الأعمال التي سجلها بيلاطس البنطي . ثم يقول جستن بعد ذلك: لقد أجرى معجزات يمكن أن تقتنع بصحَّتها لو رجعْتَ إلى أعمال بيلاطس البنطي (1).

وكتب موير عن جستن الشهيد يقول: فيلسوف وشهيد ومدافع عن المسيحية وُلد في فيلادلفيا نيابوليس، تعلم جيداً وكان له من الموارد ما استطاع معه أن يحيا حياة الدرس والسفر. ولما كان يفتش عن الحق بأمانة واجتهاد فقد طرق أبواب الرواقيين وأرسطو وفيثاغورس وأفلاطون، ولكنه كان يبغض الأبيقوريين. وفي بدء حياته العلمية تعرَّف على اليهودية ولكنها لم تعجبه. وقد أعجبته فلسفة أفلاطون جداً، وكاد يصل منها إلى هدف الفلسفة: رؤية اللّه، حتى جاء يوم كان يسير فيه وحيداً بقرب الشاطئ، وعندما التقى بمسيحي عجوز جذَّاب الملامح لطيف المعشر، تحدَّث معه فزعزع ثقته في الحكمة البشرية، ووجّهه إلى الأنبياء العبرانيين، الذين جاءوا قبل كل الفلاسفة المشهورين، والذين تنبأوا عن مجيء المسيح. وبعد هذه المحادثة أصبح الشاب الأفلاطوني الغيور مؤمناً بالمسيح. وكتب يقول: وجدت أن هذه الفلسفة هي الوحيدة الأمينة المفيدة . وقد كرس جستن كل جهوده بعد ذلك للدفاع عن المسيحية ونشر رسالتها (3).

10 - التلمود اليهودي:

يشير التلمود البابلي إلى المسيح بالقول: ... علَّقوه ليلة عيد الفصح .

ويدعوه التلمود اليهودي ابن بانديرا وهي استهزاء بكلمة بارثينوس اليونانية، التي تعني العذراء . فهم يدعونه ابن العذراء . ويقول الكاتب اليهودي يوسف كلاوسنر: كان الاعتقاد بميلاد المسيح غير الشرعي شائعاً بين اليهود .

وفي وصف ليلة الفصح يقول التلمود البابلي: وفي ليلة الفصح علَّقوا يسوع الناصري، وسار المنادي لمدة أربعين يوماً، يعلن كل يوم أنه سيُرجم لأنه مارس السِّحر وضلل إسرائيل. ودعا كل من يعرف دفاعاً عنه أن يهبَّ للدفاع. ولكنهم لم يجدوا من يدافع عنه، فعلَّقوه ليموت ليلة عيد الفصح! .

ويقول أولا أو علاء تلميذ الربي يوحانان الذي عاش في فلسطين قرب نهاية القرن الثالث: هل تظن أن يسوع الناصري كان مُحقّاً في دفاعه عن نفسه؟ لقد كان مخادعاً، وشريعة اللّه تنهى عن الرأفة بالمخادعين .

ومن هذا نرى أن السلطات اليهودية لم تنكر معجزات المسيح، ولكنهم عزوها إلى السحر والخداع (4).

وقد قال جوزيف كلاوسنر إن التلمود يقول إن يسوع عُلِّق، ولا يقول إنه صُلب، لأن هذه الميتة الرومانية الشنيعة لم تكن معروفة إلا للعلماء اليهود، لأنها طريقة قتل رومانية. ويقول بولس الرسول: مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ (غلاطية 3: 13) إستشهاداً بما جاء في التثنية 21: 23 ، مشيراً بها إلى المسيح (4).

وقد قال الربي أليعازر عن يسوع: كنتُ أسير في السوق عندما التقيتُ بأحد تلاميذ يسوع الناصري، اسمه يعقوب. وسألني ماذا تفعل بأجر الزانية؟ هل نحفر به مرحاضاً لرئيس الكهنة؟ فلم أجاوبه. فمضى يقول إن يسوع الناصري (وفي نسخة توسفنا يقول: يسوع ابن بانديرا) علّمنا أن أجر الزانية جاء من مكان قذر، ويجب أن يُصرف في مكان قذر. وقد أعجبني هذا القول. لكني كنت مخطئاً، لأن الشريعة تنهى عن ذلك وتطالب بالابتعاد عن بيت الزانية .

ويعلق كلاوسنر على ذلك قائلاً: القول أحد تلاميذ يسوع الناصري والقول يسوع الناصري علَّمنا كتابة قديمة ولازمة لسياق الحديث، والقول يسوع ابن بانديرا أو يسوع الناصري لا يطعن في صحة تاريخية هذه الكتابة، فقد درج اليهود منذ البداية على القول إن بانديرا هو الأب المزعوم ليسوع الناصري ! (4).

11 - الموسوعة البريطانية:

في طبعتها الأخيرة كتَبتْ عشرين ألف كلمة عن المسيح، وهو أكثر مما كتبته عن أرسطو وشيشرون والاسكندر ويوليوس قيصر وبوذا وكونفوشيوس ونابليون بونابرت، ومحمد مجتمعين!

 

 

الفصل الثاني

المسيح ابن الله

من هو المسيح؟ أي نوع من الأشخاص هو؟

يقول ألبرت ولز: عندما نقرأ الأناجيل نُذهَل إذ نراه يجذب الانتباه لنفسه، واضعاً نفسه مركزاً لكل حالة . ويقول توماس شونر: ولم يحدث بالمرة أن أي نبي أو قائد ديني قال عن نفسه إنه اللّه، لا موسى ولا بولس ولا بوذا ولا كونفوشيوس ولا غيرهم. لكن المسيح قال هذا عن نفسه، وأقنع عدداً كبيراً من الناس في العالم كله أنه هو اللّه! .

فكيف يُقنع إنسانٌ الناس بأنه اللّه؟ يقول ف. ملدو (مؤلف كتاب برهان من الأناجيل على لاهوت المسيح 101).

كانت تعاليمه نهائية، فوق تعاليم موسى والأنبياء. لم يُعِد النظر فيما سبق وقاله، ولم يتراجع أو يغيّر ما علَّم به. لم يخمّن أو يظن أو يفترض، لكنه تكلّم دوماً بالثقة المطلقة. وهذا بخلاف كل المعلمين البشر والتعاليم البشرية .

ويقول فوستر: غير أن السبب الذي أدى إلى موته قبل أي سبب آخر هو أن هذا المعلم الجليلي، ابن نجار الناصرة، الذي كان يعمل في ورشة نجارة يوسف، قال إنه اللّه الذي ظهر في الجسد .

وقد يقول قائل إن الأناجيل تسجل هذا عنه، لأن أتباعه أرادوا أن يحيطوه بهالة عظيمة .. ولكن هناك براهين أخرى خلاف ما رواه أتباعه عنه تشهد أنه اللّه.

ويقول وليم روبنسن: إذا نظرنا إلى الأمر نظرة تاريخية موضوعية فإننا نجد أن كتب التاريخ الدنيوية، غير الدينية، تشهد أن يسوع عاش على الأرض، وتقبَّل العبادة كإِله، وأسّس كنيسة تتعبّد له منذ 1900 سنة، وأنه غيّر مجرى التاريخ! .

أولاً - المسيح يعلن ألوهيته

1 - وقت محاكمته:

يقول مرقس الرسول عن قصة محاكمة المسيح: أَمَّا هُوَ فَكَانَ سَاكِتاً وَلَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ. فَسَأَلَهُ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ أَيْضاً: أَأَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ الْمُبَارَكِ؟ فَقَالَ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ. وَسَوْفَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الْإِنْسَانِ جَالِساً عَنْ يَمِينِ الْقُّوَةِ، وَآتِياً فِي سَحَابِ السَّمَاءِ . فَمَّزَقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ ثِيَابَهُ وَقَالَ: مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ قَدْ سَمِعْتُمُ التَّجَادِيفَ! مَا رَأْيُكُمْ؟ فَا لْجَمِيعُ حَكَمُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ (مرقس 14: 61 - 64).

قال القاضي جينور في كتاب إساءة محاكمة المسيح إن التهمة التي ضد المسيح في السنهدريم كانت التجديف، فقد ادَّعى المسيح لنفسه قوة فوق الطبيعة. وأشار القاضي إلى يوحنا 10: 33 جعل نفسه إلهاً ، فقد كانت هذه هي التهمة ضده! (5).

ولقد قَبِلَ المسيح الاتهام المثلَّث الذي وجّهه إليه الفريسيون: أنه المسيا، وابن الإنسان، وابن اللّه. فقوله أنت قلت اصطلاح يوناني معناه نعم . (متى 26: 64 ، وقارن ذلك مع أنا هو في مرقس 14: 62) وكانت نتيجة هذه الإجابة أن مّزَق رئيس الكهنة ثيابه. وكان الناموس ينهى عن ذلك بسبب أزمة شخصية (لاويين 10: 6 ، 21: 10) ولكنه كقاضٍ كان مطالباً - حسب التقاليد - أن يعّبر عن رعبه من التجديف الذي يحدث أمامه بتمزيق ثيابه. ولم يقدر القاضي أن يجد شهوداً مقبولين، ولكن لم تعد هناك حاجة إلى شهود بعد أن أدان المتهم نفسه، وقال إنه ابن اللّه. لم تكن جريمته شيئاً عمله بل كانت شخصيته ذاتها. كانت كلاماً أدلى به عن نفسه أمام المحكمة. وإن ما واجهه به الحاكم الروماني من أسئلة، وحيثيات الحكم عليه، وعلة موته التي كُتبت على صليبه، جميعها كانت تدور حول هذا السؤال الكبير وهو: ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟ .

لقد أعلن يسوع أمام قضاته أمر ألوهيته، ولم يقُلْها المشتكون عليه، لكنه قالها عن نفسه.

ومع أن كتّاب الأناجيل يوردون إجابة المسيح على سؤال رئيس الكهنة بصيغ مختلفة، إلا أنها جميعها تحمل نفس المعنى. فعبارة أنت قلت أو أنتم تقولون إني أنا هو التي تبدو غريبة على أذن السامع الآن، لم تكن كذلك على أُذن اليهودي المعاصر فأنت تقول كانت الصيغة المألوفة التي يجيب بها اليهودي المثقَّف على سؤال له أهمية بالغة، فقد كانت اللياقة تمنع من الإجابة المباشرة بكلمتي نعم أو لا . والعبارتان ابن الإنسان (التي كان يكررها كثيراً) و عن يمين القوة (وهو تعبير خاص بالألوهية) أدرك السامعون منهما ما قصده يسوع. وكان أمامهم أن يقبلوا دعواه، أو أن يتّهموه بالتجديف. وقد رفضوا دعواه وحكموا عليه بالموت مصلوباً قائلين: قَدِ اتَّكَلَ عَلَى اللّهِ، فَلْيُنْقِذْهُ الْآنَ إِنْ أَرَادَهُ! لِأَنَّهُ قَالَ: أَنَا ابْنُ اللّهِ (متى 27: 43).

وفي إجابة المسيح على سؤال رئيس الكهنة نجد أنه أكد ثلاث حقائق:

1 - إنه ابن المبارك.

2 - إنه سيجلس على يمين القوة.

3 - إنه ابن الإنسان الذي سيأتي في سحاب السماء.

وكل واحدة من هذه الثلاثة تشير إلى أنه المسيا . وقد أدرك أعضاء السنهدريم ما أشار إليه فوجَّهوا له سؤالاً واحداً: هل أنت ابن اللّه؟ وكان سؤالهم يحمل معنى إيجابياً، وكأنه إقرار منهم بلاهوته، ولهذا أجابهم يسوع: أنت قلت أي أنت قلت إني أنا هو . وهكذا جعلهم يعترفون بلاهوته قبل أن يحكموا عليه بالموت. لقد كانت خطة بارعة من جانب يسوع، فلم يمت على أساس شهادته عن نفسه فحسب، بل أيضاً على أساس اعترافهم بلاهوته، فلم تعد هناك حاجة إلى مزيد من الشهود، فأدانوه بسبب ما نطق به. كما أنه أدانهم بما نطقوا به. ولم يكن اليهود قوماً من الجهلة البرابرة، بل كانوا من المتديّنين وذوي الثقافة. لكن ما سمعوه عن ألوهية المسيح جعلهم يسرعون بالحكم ضده. وأصدر المجلس المكّوَن من أعظم رجال الدين هذا الحكم، بمن فيهم من أمثال غمالائيل وتلميذه شاول الطرسوسي. لقد أعلن المسيح ألوهيته بوضوح كامل، وهو ما اعتبره القادة الدينيون تجديفاً يستحقّ الصَّلْب لأنه جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللّهِ (يوحنا 19: 7).

2 - في بعض أحاديثه:

(ا) مساواته باللّه عندما قال: أَنَا وَالْآبُ وَاحِدٌ (يوحنا 10: 30) فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضاً حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. فَقَالَ يَسُوعُ: أَعْمَالاً كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي - بِسَبَبِ أَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟ أَجَابَهُ الْيَهُودُ: لَسْنَا نَرْجُمُكَ لِأَجْلِ عَمَلٍ حَسَنٍ، بَلْ لِأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِل هاً (راجع يوحنا 10: 31 - 33).

وهذه العبارة هي قمة إعلان المسيح عن صلته بالآب. وقد أثارت غضب الفريسيين بشدة، حتى أنهم أصدروا الحكم عليه وتناولوا حجارة ليرجموه، حسب نص اللاويين 24: 16. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي حاولوا فيها رجمه (يوحنا 8: 59) لا بسبب عملٍ صالح أتاه، بل بسبب تجديفه ، دون أن يتمهَّلوا ليروا صدقه في هذا الادّعاء.

(ب) يوحنا 5: 17 ، 18 فَأَجَابَهُمْ يَسُوعُ: أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الْآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ . فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضاً إِنَّ اللّهَ أَبُوهُ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللّهِ .

وفي هذه الآيات لا يقول المسيح عن اللّه أبينا بل أبي موضحاً علاقته الفريدة بالآب، وبأن عملهما مشترك. وهو بهذا يبرّر شفاءه للمرضى في يوم السبت. كان اليهود يقولون عن اللّه إنه أب لكنهم كانوا يضيفون إليها في السماوات . ولكن يسوع هنا يقولها ببساطة معبّراً عن الصلة القوية والمساواة الكاملة بينه وبين اللّه. وأدرك اليهود قصده فأرادوا قتله.

(ج) أنا كائن - في يوحنا 8: 58 قال المسيح لليهود: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ . وكلمة الحق الحق مكرّرة هي قَسَم قوي يسبق إعلانه أنه اللّه. وارتعب اليهود فرفعوا حجارة ليرجموه . إن المسيح في هذه الكلمات يعلن وجوده السابق، وهو يعني أنه الموجود . ويسوع بقوله: أنا كائن يعلن أنه كائن منذ الأزل، فإن هذا هو لقب اللّه (يهوه) في العهد القديم، والمسيح هنا يطلقه على نفسه، ولذلك حاول اليهود رجمه حسب وصية اللاويين 24: 13 - 16. ولم يحاول المسيح تخفيف الأمر، ولم يقل لليهود إنهم أساءوا فَهْم كلامه، بل أعاد إعلان الفكرة نفسها في مناسبات أخرى كثيرة.

(د) يطالب المسيح بالمجد الذي يقدّمه الناس للّه - لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الِابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الْآبَ. مَنْ لَا يُكْرِمُ الِابْنَ لَا يُكْرِمُ الْآبَ الّذِي أَرْسَلَهُ. a> اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلَامِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلَا يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ (يوحنا 5: 23 ، 24).

وفي الجزء الأخير من الآية الأولى يحذّر المسيح الذين يتهمونه بالتجديف، فإنهم وهم يقاومونه إنما يقاومون اللّه، واللّه يغضب أشد الغضب من ذلك، والمسيح هنا يطالب بحق الإكرام الذي يُعطَى للآب، ومن لا يكرم الابن لا يكرم الآب.

(ه ) فَقَالُوا لَهُ: أَيْنَ هُوَ أَبُوكَ؟ أَجَابَ يَسُوعُ: لَسْتُمْ تَعْرِفُونَنِي أَنَا وَلَا أَبِي. لَوْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضاً (يوحنا 8: 19).

(و) آمنوا بي - لَا تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ فَآمِنُوا بِي (يوحنا 14: 1). لقد كان المسيح وقتها في طريقه إلى الصليب، ولكنه طالب تلاميذه أن يضعوا ثقتهم فيه، لأن فيه ضمان المستقبل وأن مصيرهم يتوقَّف على عمله، وقد وعد تلاميذه أن يُعدَّ لهم مكاناً ثم يعود ليأخذهم إليه (راجع يوحنا 14: 1 - 4).

(ز) اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ أَرِنَا الْآبَ (يوحنا 14: 9).

(ح) أقول لكم (متى 5: 20 ، 22 ، 26 ، 28 الخ). في هذه الآيات يتحدث يسوع ويعلّم باسمه، وهو بهذا يرفع سلطان كلامه إلى السماء. لم يقل: هكذا قال الرب كما فعل الأنبياء، لكنه قال: الحق الحق أقول لكم .

لم يتردد مرة ولم يعتذر.. لم تكن به حاجة لمناقضة نفسه. لم يسحب شيئاً قاله، ولم يُعدِّلْهُ أو ينسخه، لكن كلمته كانت هي كلمة اللّه التي وصفها بقوله: اَلسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ تَزُولَانِ، وَل كِنَّ كَلَامِي لَا يَزُولُ (مرقس 13: 31 قارن يوحنا 3: 34).

3 - قَبِلَ العبادة الموجَّهة له. بل وطلبها:

العبادة للّه وحده، والسجود عبادة لا تُؤدَّى إلا للّه (يوحنا 4: 20 - 22 وأعمال 8: 27). والعبادة تكون بالروح والحق (يوحنا 4: 24) لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُل (متى 4: 10 ، لوقا 4: 8). وقد قبل المسيح السجود والعبادة.

(ا) من الأبرص (متى 8: 2).

(ب) من المولود أعمى بعد أن فتح عينيه (يوحنا 9: 35 - 38).

(ج) من التلاميذ الذين قالوا له: ِبا لْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللّهِ! (متى 14: 33).

(د) من توما بعد قيامته، إذ سجد له قائلاً: رَبِّي وَإِلهِي (يوحنا 20: 27 - 29).

ولكن بمقارنة المسيح بالآخرين نرى أن بطرس رفض سجود كرنيليوس له، قائلاً إنه إنسان مثله (أعمال 10: 25 و26) والملاك رفض سجود يوحنا اللاهوتي له قائلاً إنه عبد معه ومع إخوته اسْجُدْ لِلّهِ (رؤيا 19: 10).

لقد طالب المسيح بالعبادة لشخصه، وقَبِلَها عندما قُدِّمت له.

4 - آخرون يؤكدون ألوهيته:

(ا) يقول بولس: لِذ لِكَ رَفَّعَهُ اللّهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ اسماً فَوْقَ كُلِّ اسمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الْأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الْأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللّهِ الْآبِ (فيلبي 2: 9 - 11). ويقول أيضاً: منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد اللّه العظيم ومخلصنا يسوع المسيح (تيطس 2: 13).

(ب) يوحنا المعمدان رأى الروح القدس نازلاً على المسيح بهيئة جسميّة مثل حمامة، وسمع صوتاً من السماء قائلاً: أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ (لوقا 3: 22).

(ج) بطرس أعلن قائلاً: أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ الْحَيِّ . فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْماً وَدَماً لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، ل كِنَّ أَبِي الّذِي فِي السَّمَاوَاتِ (متى 16: 15 - 17). ولو أن بطرس قال هذه الكلمات لنبي من الأنبياء لوبَّخه، ولكن المسيح بارك إعلان بطرس وقبله. وفي كل مدة خدمته قَبِلَ المسيح الصلاة والسجود له.

وقد عاد بطرس فأعلن: فَلْيَعْلَمْ يَقِيناً جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللّهَ جَعَلَ يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبّاً وَمَسِيحاً (أعمال 2: 36).

(د) توما رجل الشك قال بثقة: رَبِّي وَإِلهِي (يوحنا 20: 28) وقد وبَّخ يسوع توما على شكّه في قيامته، لكنه لم يوبّخه على سجوده له، ولا على الاعتراف بألوهيته.

(ه ) يقول كاتب العبرانيين: وَأَمَّا عَنْ الِا بْنِ: كُرْسِيُّكَ يَا أَللّ هُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ (1: 8) إنه صاحب العرش، اللّه، إلى دهر الدهور.

(و) استفانوس عند رجمه كان يصلي قائلاً: أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي (أعمال 7: 59) فهو يطلب من يسوع ما طلبه يسوع من الآب، وهو بهذا ينسب إلى يسوع صفات اللاهوت.

ويقول وليم بيدرولف: من يقرأ العهد الجديد ولا يرى أن يسوع لم يكن مجرد إنسان، يكون كمن يتطلع إلى السماء الصافية في رابعة النهار، ولا يرى الشمس .

وخير ما نختم به هذا الجزء هو ما قاله يوحنا في نهاية إنجيله: وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلَامِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ (يوحنا 20: 30 ، 31).

5 - صفات المسيح هي صفات الله

ونقدم هنا جدولاً يبينّ أن صفات المسيح هي صفات اللّه:

عن الله الصفة عن يسوع

إشعياء 40: 28 الخالق يوحنا 1: 3

إشعياء 45: 22 ، 43: 11 المخلِّص يوحنا 4: 42

1 صموئيل 2: 6 مقيم الموتى يوحنا 5: 21

يوئيل 3: 12 الديان يوحنا 5: 27 ، متى 25: 31

إشعياء 60: 19 ، 20 النور يسوع يوحنا 8: 12

خروج 3: 14 الكائن (أنا هو) يوحنا 8: 58 ، 18: 5 و 6

مزمور 23: 1 الراعي يوحنا 10: 11

إشعياء 42: 8 ، 48: 11 مجد اللّه يوحنا 17: 1 و 5

إشعياء 41: 4 ، 44: 6 الأول والآخر رؤيا 1: 17 ، 2: 8

هوشع 13: 14 الفادي رؤيا 5: 9

إشعياء 62: 5 ، هوشع 2: 16 العريس رؤيا 21: 2 ، متى 25: 1

مزمور 18: 2 الصخرة 1 كورنثوس 10: 4

إرميا 31: 34 غافر الخطية مرقس 2: 7 و 10

مزمور 148: 2 تعبده الملائكة عبرانيين 1: 6

في كل العهد القديم تُرفَع له الصلاة أعمال 7: 59

مزمور 148: 5 خالق الملائكة كولوسي 1: 16

إشعياء 45: 23 الاعتراف به رباً فيلبي 2: 11

ثانياً - المسيح يعمل عمل اللّه

1 - المسيح يغفر الخطية:

لا يغفر الخطية إلا اللّه (مرقس 2: 7 متى 9: 5 و 6). ولكن يسوع شفى المفلوج ثم غفر خطاياه. وعندما احتجَّ رجال الدين اليهود على هذا الغفران سألهم يسوع: أيُّما أيسر: أن يُقال مغفورة لك خطاياك، أم أن يُقال قُمْ وامْشِ؟ . الكاذب يقول: مغفورة لك خطاياك لأن نتيجة هذا القول لن تظهر فوراً، ولكن صاحب السلطان على شفاء المرض، الذي له سلطان على غفران الخطية، هو الذي يملك أن يقول العبارتين. قد نغفر نحن لمن يسيء إلينا، لكن مَنْ يملك مغفرة الخطية الموجَّهة ضد اللّه غير اللّه؟ إن المسيح وهو يغفر الخطية كان يمارس سلطان اللّه، ويعمل ما لا يمكن أن يعمله غير اللّه.

2 - المسيح لا يتغيَّر:

كل ما في العالم، وكل من في العالم يتغيّر، إلا اللّه. وهذا ما يقوله الكتاب عن يسوع (عبرانيين 13: 8 مع ملاخي 3: 6).

3 - المسيح هو الحياة:

قال المسيح: أنا هو الحياة (يوحنا 14: 6). لم يقل إنه يعرف الطريق والحق والحياة، ولم يقل إنه يعلم عنها، ولم يقل إنه يعلن طريقاً جديداً، لكنه أعلن أنه المفتاح النهائي لكل الأسرار. هو نفسه الحياة.

وهو الذي يمنح الحياة. ويقول يوحنا: وَهذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ: أَنَّ اللّهَ أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِهِ. مَنْ لَهُ الِابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ اللّهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ (1 يوحنا 5: 11 ، 12).

وقد وصف يسوع نفسه بالكرمة الحقيقية التي تمدُّ أغصانها بالحياة، وأعلن أن اللّه أعطاه سلطاناً على كل جسد ليعطي حياة أبدية لكل من أعطاه له اللّه.

4 - يسوع يدين:

قيل عن اللّه الآب إنه أعطى الابن سُلْطَاناً أَنْ يَدِينَ (يوحنا 5: 27). وسوف يقيم يسوع الموتى ويجمع كل الأمم أمامه، ويجلس على عرش المجد ويدين العالم. وسيذهب البعض للسماء، ويذهب البعض الآخر للجحيم، بناءً على حكمه وقضائه.

ثالثاً - المسيح يحمل ألقاب اللّه

1 - لقب يهوه (أي الرب):

وهو اسم الجلالة عند اليهود، وكانوا لا ينطقونه أبداً إجلالاً للّه، ولكنهم كانوا يقرأونه أدوناي بمعنى السيد . وفي العصور المتأخرة، حسب ما جاء في المشنا، سُمح للكهنة أن ينطقوا هذا الاسم في نهاية العبادة داخل الهيكل فقط، عند إعطاء البركة للشعب. ولكن في كل المناسبات الأخرى كانوا يستخدمون كلمة أدوناي . ويقول فيلو: هذه الحروف الأربعة يهوه لا يجب أن تُقال أو تُسمع إلا من أشخاص تطهَّرت آذانهم وألسنتهم بالحكمة .

والاسم يهوه يعني الكائن (خروج 3: 14). وعندما يطلق المسيح الاسم على نفسه فإنه يعلن أنه اللّه. وهذا ما نجده في القول: أنا هو .. وفي يوحنا 8: 24 يقول المسيح: إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ . وفي آية 28 يقول: َتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الْإِنْسَانِ (على الصليب)، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ وهو بهذا يستعمل لنفسه اسم الجلالة يهوه الذي أعلن به اللّه نفسه لموسى: أَهْيَهِ الّذِي أَهْيَهْ أي أنا هو الذي أنا هو - هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ (خروج 3: 14).

وفي إنجيل متى 13: 14 ، 15 يقول المسيح عن نفسه إنه الرب الذي أعلن ذاته في العهد القديم (إشعياء 6: 8 - 10). (قارن خروج 3: 14 مع يوحنا 4: 26 ، 6: 35 ، 8: 12 ، 10: 9 ، 11: 25).

وفي يوحنا 12: 41 نقرأ عن المسيح أنه الشخص الذي رآه إشعياء (6: 1). كما يقول إشعياء عن سابق المسيح (المعمدان) إنه سيُعِدُّ طريق الرب (إشعياء 40: 3). وقد قَبِلَ المسيح إعلان أهل السامرة عنه أنه المسيح مخلص العالم (يوحنا 4: 42)، وهذا ما يقوله العهد القديم عن اللّه (هوشع 13: 4): أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكَ وَإِلَهاً سُِوَايَ لَسْتَ تَعْرِفُ، وَلَا مُخَلِّصَ غَيْرِي .

2 - لقب ابن اللّه :

يقول هيلارين فيلدر إن جستاف دالمان أعظم علماء اللغة الأرامية التي كان يتحدث بها يسوع، وجد نفسه مضطراً للاعتراف: إن يسوع لم يعلن نفسه أنه ابن اللّه بطريقة يُفهَم أنه يعني مجرد العلاقة الدينية أو الأدبية، وهي العلاقة التي يمكن بل ويجب أن تكون لآخرين أيضاً... ولكن يسوع أعلن بكل وضوح - بعيداً عن أيّ لَبْس - أنه ليس ابناً من أبناء اللّه بل أنه هو الابن الوحيد .

صحيح أن البشر يُدعَون أبناء اللّه (هوشع 1: 10) كما أن الملائكة يُدعَون كذلك (أيوب 1: 6 ، 38: 7). ولكن المسيح يستخدم هذا اللقب عن نفسه بمعنى مختلف، فهو الوحيد، المولود من اللّه، المساوي للّه، الأزلي كاللّه. وفي مساواته نفسه باللّه نجد عقيدة الثالوث (يوحنا 10: 33 - 38 ، 3: 35 ، 5: 19 - 27 ، 6: 27 ، 14: 13 ، مرقس 13: 32 ، متى 23: 9 ، 10).

وقد مدح المسيح بطرس عندما أعلن أن المسيح هو ابن اللّه (متى 16: 16 ، 17). ويخاطب المسيح الآب بقوله: أبي ويقول عنه للتلاميذ أبوكم لكنه لا يجمع أبداً نفسه مع تلاميذه بالقول: أبونا السماوي . وحتى عندما يتكلم عن شيء مشترك سيفعله مع تلاميذه يقول: حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيداً فِي مَلَكُوتِ أَبِي (متى 26: 29). ويقول: أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ مَوْعِدَ أَبِي (لوقا 24: 49). تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي (متى 25: 34) وهكذا يفرّق دائماً بين بنّوَته هو للآب وبنّوَة التلاميذ للآب.

وقد فهم سامعو المسيح أنه يقصد أنه هو اللّه. وقد خاطب المسيح الآب في الأناجيل 104 مرة، فهم التلاميذ والأعداء منها أن المسيح يعلن ألوهيته.

3 - لقب ابن الإنسان :

يستخدم المسيح هذا اللقب بثلاث طرق مختلفة:

(ا) في خدمته الأرضية:

متى 8: 20 ، 9: 6 ، 11: 19 ، 16: 13 ، لوقا 19: 10 ، 22: 48.

(ب) في الإِنباء بآلامه:

متى 12: 40 ، 17: 9 و 22 ، 20: 18.

(ح) في التعليم عن مجيئه ثانية:

متى 13: 41 ، 24: 27 و 30 ، 25: 31 ، لوقا 18: 8 ، 21: 36.

ولم يستخدم هذا اللقب أحد غيره في العهد الجديد، ولم يخاطبه به أحد إلا في مرة واحدة كانوا يسألونه فيها عن كلام اقتبسوه عنه (يوحنا 12: 34) وإلا في قول استفانوس وقت استشهاده (أعمال 7: 56). وواضح أن هذا اللقب يعني أنه المسيا الآتي كما فهم اليهود ذلك (يوحنا 12: 34).

وفي هذا اللقب يعلن يسوع أن فيه تتم نبوات العهد القديم عن المسيا، كما جاء في نبوة دانيال (دنيال 7: 13 ، 14)، وفي مرقس 14: 61 - 64 يطبّق المسيح ما جاء في دانيال 7: 13 ، 14 مع مزمور 110: 1 على نفسه كشيء سيحدث أمام أعينهم، فهو قد جمع في نفسه بين المسيّا وعبد الرب (يهوه).

4 - لقب أبا الآب :

لقد أكد المسيح أن علاقته بالآب علاقة فريدة لم يستطع أحد أن يدَّعيها من قبل. ويجيء الاسم من الكلمة الأرامية أبا التي استخدمها المسيح في صلاته. ولم يحدث أن خاطب أحد من اليهود اللّه بهذه الكلمة، لأنها الكلمة التي تُستعمل في البيت من الابن لأبيه، وقد خاطب اليهود اللّه كأب بكلمة أبينا وهي خطاب الآب طلباً لرحمته وغفرانه، وهو ما لم يخاطبه به المسيح أبداً، فالمسيح يخاطبه بكلمة أبا التي تعبّر عن الحب والقُرب الوثيق. ولهذا ميَّز بين علاقته هو بالآب وعلاقة سائر البشر بالآب. ومع أن داود تحدث عن علاقة الرب بشعبه كعلاقة الآب بأبنائه (مزمور 103: 13) إلا أنه لم يخاطب اللّه أبداً كأب. وعندما قال المسيح إن اللّه أبوه قال اليهود عنه إنه يجدف (يوحنا 5: 18) لأنهم أدركوا أن المسيح يساوي نفسه باللّه.

الفصل الثالث

الاحتمال المثلَّث

رب أو كاذب أو مجنون!

من هو المسيح؟ لقد علَّق المسيح أهمية كبيرة على من يقول الناس إنه هو، وقال كلايف س. لويس، الذي كان أستاذاً بجامعة كامبردج، وكان يوماً ما لا أدرياً - قال: إني هنا أحاول أن أمنع من يُجرَّب أن يقول سرّ القول الفارغ: إني أقبل المسيح كمعلم أخلاقي عظيم، ولكني لا أقبل دعواه بأنه اللّه، فهذا ما لا يجب أن يقوله عاقل! فإن ما قاله المسيح عن نفسه لا يجعل منه معلماً أخلاقياً عظيماً، لكنه إما أن يكون مجنوناً، أو شيطاناً. فهو إما مجنون، أو هو الشيطان نفسه. قد ترفضه وتحكم عليه بالجنون، أو تبصق عليه وتقتله كشيطان، أو تجثو عند قدميه وتدعوه رباً وإلهاً. ولكن لنترك جانباً اللغو الفارغ بأنه معلم عظيم، فلم يترك لنا هو الفرصة لنقول مثل هذا الكلام، ولم يُرِدْ لنا أن نقوله! (6).

إن كلام المسيح جزء من ذات نفسه، وليس نطق نبي يعلن كلام سواه، فلو أننا فصلنا بين يسوع وأقواله، لا تعود لها قوتها. ويقول المؤرخ العظيم كنث لاتوريت أستاذ التاريخ المسيحي في جامعة ييل: ليست تعاليم المسيح هي التي تعطيه الأهمية الكبيرة، مع أنها كافية لأن تفعل ذلك، ولكن العظمة في الشخص الذي قال ما قاله! ولا يمكن أن تفصل بين المعلّم وتعاليمه، فالمسيح وتعاليمه غير منفصلين. إن تعليمه عن ملكوت اللّه وعن السلوك البشري وعن اللّه تعاليم هامة، ولكنها لا تنفصل أبداً عن شخصه (7).

المسيح يقول إنه ابن اللّه وهناك احتمالان:

الاحتمال الأول: هو القول الصحيح، والاحتمال الثاني : هو القول الكاذب. القول الصحيح بأنه رب ويحوي احتمالان هما: الأول: يمكن أن نقبله، والثاني: يمكن أن نرفضه. والاحتمال الثاني بأنه يقول الصدق يحوي احتمالان: الاحتمال الأول: لم يعرف أن ما يقوله كذب، فكان مخدوعاً عن إخلاص، أو ربما كان مجنوناً. والإحتمال الثاني: أنه عرف أن ما يقوله كذب، فأعطى الصورة الخاطئة عن قصد، فكان كاذباً ومرائياً وشيطاناً وأحمقاً، لأنه مات بسبب إدعاءه الكاذب.

1 - هل السيد المسيح هو اللّه؟

قال المسيح عن نفسه إنه اللّه (في الفصل الأول) ولم يترك مجالاً لفكرة أخرى. ولا زلنا اليوم نسأل السؤال الذي سأله المسيح لتلاميذه: مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟ (مرقس 8: 29).

وكلام المسيح عن نفسه ربما يكون خطأ أو صواباً. فإن كان صواباً، فهو اللّه فعلاً، ويجب أن نقبل سيادته علينا أو نرفضها، ونحن بلا عذر.

ولنبحث أولاً إن كان قوله إنه اللّه خطأ. فإن كان خطأ، فإن أمامنا احتمالين: إمّا أنه عرف أنه مخطئ، أو أنه لم يعرف. وسنفحص كُلاّ من هذين الاحتمالين:

2 - هل المسيح كاذب؟

لو أن المسيح عرف أن قوله بألوهيته خطأ، لكان كاذباً! ولو كان كاذباً لكان أيضاً مرائياً، لأنه طالب أتباعه بالأمانة المطلقة مهما كان الثمن، بينما هو نفسه ليس أميناً ولا صادقاً!

وأكثر من هذا: إنه شيطان، لأنه طالب أتباعه بالإيمان به والاتكال عليه لحياتهم الأخلاقية. ولو كان عاجزاً عن تتميم ما وعد به، وهو يعلم ذلك، لكان شريراً بصورة رهيبة!

وأخيراً يكون أحمق، لأن ادعاءه الباطل بالألوهية قاده إلى الصليب.. أَمَّا هُوَ فَكَانَ سَاكِتاً وَلَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ. فَسَأَلَهُ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ أَيْضاً: أَأَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ الْمُبَارَكِ؟ فَقَالَ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ. وَسَوْفَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الْإِنْسَانِ جَالِساً عَنْ يَمِينِ الْقُّوَةِ، وَآتِياً فِي سَحَابِ السَّمَاءِ . فَمَّزَقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ ثِيَابَهُ وَقَالَ: مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ قَدْ سَمِعْتُمُ التَّجَادِيفَ! مَا رَأْيُكُمْ؟ فَالْجَمِيعُ حَكَمُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ (مرقس 14: 61 - 64)، أَجَابَهُ الْيَهُودُ: لَنَا نَامُوسٌ، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ، لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللّهِ (يوحنا 19: 7).

كتب وليم لكي أحد مؤرخي بريطانيا العظماء، وأحد عتاة مقاومي المسيحية في كتابه: تاريخ الأخلاق الأوربية من أغسطس إلى شرلمان قال: المسيحية وحدها قدمت للعالم شخصية نموذجية ألهمت الناس الحب خلال ثمانية عشر قرناً، وأثَّرت في كل العصور والأمم والأمزجة والحالات. ولم تقدم للعالم أعظم نموذج للفضيلة فقط، لكن قدَّمت أيضاً أعظم حافز لممارستها. إن السجل البسيط للسنوات الثلاث لحياة هذه الشخصية العظيمة عملت في تجديد البشر وتهذيبهم، أفضل مما عمل كل الفلاسفة والوعّاظ ورجال الأخلاق (8).

وقال المؤرخ المسيحي فيليب شاف: لو أن هذه الدعوة كانت على حق لكانت تجديفاً أو جنوناً. ولكن الغرض الأول لا ينسجم مع طهارة يسوع الأخلاقية وسموه الرفيع، كما تتضح من كل عمل ومن كل كلمة باتفاق الجميع. ولا يمكن لشخص بمثل وضوح فكر يسوع وسلامته أن يخدع نفسه فيظن أنه اللّه، فإنه لم يفقد اتّزانه أبداً، وسَبَحَ بمهارة فوق كل تيارات الاضطهادات والمتاعب كما تسبح الشمس فوق الغيوم، وقدَّم أحكم الأجوبة لأعقد الأسئلة، وتنّبأ بصَلبه وموته وقيامته في اليوم الثالث، وحلول الروح القدس، وتأسيس الكنيسة، وخراب أورشليم. وتحققت كل نبواته تماماً.

هذه الشخصية الفريدة الأصيلة الكاملة ذات السمو الرفيع الذي يعلو فوق كل عظمة إنسانية لا يمكن أن تكون كاذبة أو خيالية. إنه أضخم الأبطال ويحتاج الأمر إلى بطل أعظم من يسوع لينسج مثل شخصية يسوع، لو أن هذا ممكن! (9).

وفي كتاب آخر يقول شاف: فكرة خداع المسيح لتابعيه تنافي كل مبدأ أخلاقي حتى أنها تحمل في ذاتها دليل بطلانها، وقد اخترعها اليهود الذين صلبوه ليُخْفوا جريمتهم، ولكن لم يقبلها أحد من العلماء الذين يحترمون أنفسهم، في أي عصر من العصور. وكيف - باسم المنطق والعقل والاختبار - كيف يمكن لمضلل كاذب أن يعلّم ويحيا أطهر وأسمى حياة بشرية - بكل هذا الصدق والحق - من بدء حياته إلى نهايتها؟ وكيف كان يمكن أن يحيا هذه الحياة الأخلاقية السامية، ويبذل نفسه من أجل هدفه السامي النبيل؟ (10).

إن الذي يحيا كما عاش المسيح، ويعلّم كما علم، ويموت كما مات، لا يمكن أن يكون كاذباً؟ فما هو البديل الآخر؟

3 - هل المسيح مجنون؟

وإذا كان من غير المعقول أن يكون المسيح كاذباً، فهل يمكن أنه ظن في نفسه أنه اللّه، عن طريق الخطأ؟ فمن الممكن أن يخطئ الإنسان منا عن إخلاص!

ولكن في المجتمع اليهودي المؤمن إيماناً جازماً بالوحدانية، لم يكن ممكناً لشخص أن يعلن عن ألوهيته، ويقول للناس إن مصيرهم يتوقّف على إيمانهم به، إلا إن كان مجنوناً بكل معنى الكلمة. فهل كان يسوع مجنوناً؟

كتب كلايف لويس: لم يكن ممكناً إيجاد تفسير آخر أسهل قبولاً من التفسير المسيحي لحياة يسوع وتعاليمه وتأثيره. ولا يمكن تعليل عمق فكره وسمو تعاليمه إلا إذا أدركنا ألوهيته. ولقد تتابعت النظريات غير المسيحية عن شخص المسيح وانتهت إلى الفشل (11).

كان نابليون عبقرياً في معرفة الناس، وقد قال: أنا أعرف الناس، لكني أقول لكم إن يسوع المسيح لم يكن إنساناً. إن أصحاب العقول السطحية يرون تشابهاً بين يسوع وبين مؤسسي الإمبراطوريات والديانات الأخرى، ولكن هذا التشابه غير موجود، فإن بين المسيحية وأي دين آخر مسافة لا نهائية. وكل ما في المسيح يذهلني، وروحه ترعبني، وإرادته تربكني، فلا مجال للمقارنة بينه وبين أي شخص آخر في العالم، فهو نسيج وحده. ولا يمكن تفسير أفكاره وعواطفه والحقائق التي أعلنها وطرق إقناعه، بالمعايير البشرية... وكلما زاد اقترابي منه، وكلما فحَصْتُ عنه، وجدته أعلى مني، ويبقى عالياً من كل الوجوه علواً مسيطراً. إن ديانته ثمر فكر غير بشري بلا شك، ولا يوجد له نظير في حياته وفي مثاليته.. إنني أفتش في التاريخ عن نظير له، أو شبيه بإنجيله، فلا أجد. فلا التاريخ، ولا البشرية، ولا العصور، ولا الطبيعة، قدَّمت لي شبيهاً له. فكل ما فيه هو فوق طبيعي (12).

قال تشاننج من الطائفة اليونيتريانز (طائفة مسيحية ترفض ألوهية المسيح وتؤمن بالتوحيد المطلق): لا يمكن أن نلصق بالمسيح تهمة الحماس الزائد بالنفس، ولا نجد في تاريخه أثراً لذلك، لا في تعاليمه الهادئة، ولا في ديانته العلمية الخادمة. لقد قدم ديانته ومعجزاته ببساطة وإقناع، في إدراك كامل للطبيعة الإنسانية، بدون تفريق بين طبقات البشر. ومع أنه أعلن سلطانه على العالم الآتي، ووجَّه فكر تلاميذه للسماء، إلا أنه لم يُثْرِ خيال التلاميذ بوصفٍ مفصَّل للعالم الآتي. إن أشدَّ ما يميّز شخصية المسيح هو هدؤه وامتلاكه لذاته. كم كان تواضعه عظيماً! هل تعكس الصلاة الربانية حماسة عاطفية؟ أبداً! حتى عطفه على الناس، مع أنه كان عطفاً صادقاً عميقاً، كان عاقلاً مهيباً. لم يفقد ضبطه لنفسه أبداً وهو يعطف على الآخرين، ولم يهرع لعمل صالح بطريقة الانفعال والحماس والتهّوُر.. لقد عمل كل شيء بهدوء منتظم لا نراه إلا في أعمال العناية الإلهية (10).

ويقول فيليب شاف: هذا العقل الصافي كالسماء، المنعش كنسمات الجبل، الحاد كالسيف الماضي، القوي الصحيح، المستعد دوماً والمسيطر دوماً - هل يمكن أن يكون عُرْضة للتطّرف أو الخداع وهو يعلن شخصيته ورسالته؟ إن مثل هذا الظن ليتنافى تماماً مع العقل! (10).

4 - المسيح الرب:

يحتاج جوابك على سؤال من هو المسيح؟ إلى ذهن قوي متيقّظ. إنك لا تقدر أن تقول ببساطة إنه معلم عظيم وكفى، فليس هذا صحيحاً. إما أن يكون مضلِّلاً أو مجنوناً، أو إلهاً. ويجب أن تختار. ولكن كما قال الرسول يوحنا: أَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ (يوحنا 20: 31).

إن البرهان لا يُدحض على أن يسوع هو اللّه. على أن البعض يرفضون البرهان الواضح بسبب علل أخلاقية، ولكن علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا لنقرر إنْ كان يسوع كاذباً أو مجنوناً، أو رباً وإلهاً، كما قال هو عن نفسه!

الفصل الرَّابع

الافتراض العظيم

لو أن اللّه صار إنساناً، فكيف يجب أن يكون؟ - أو هل كان للمسيح صفات اللّه؟

وقبل إجابة هذا السؤال يلزمنا الإجابة على سؤال آخر، هو: لماذا يصير اللّه إنساناً؟ وللإجابة نقدم مثلاً عن فلاح يحرث حقله. فلنفترض أنك أنت ذلك الفلاح وتُلاحظ عش نمل في طريق المحراث، ولنفترض أنك تحب النمل، فتفكر أن تسرع إليهم لتحذيرهم. وتصرخ محذّراً، لكنهم يستمرون في عملهم، فتستعمل لغة الإشارة، وكل وسيلة أخرى تعرفها، ولكن النمل لا ينتبه. لماذا؟ لأنك عاجز عن الاتصال بهم. فما هي أفضل طريقة لذلك؟ هي أن تصير نملة فيفهمون ما تقول.

ولما أراد اللّه أن يتصل بنا، وجد أن أفضل طريقة هي أن يصير إنساناً مثلنا، فيكون على اتصال مباشر بنا.

والآن لنجاوب سؤالنا الأصلي: لو أن اللّه صار إنساناً، فكيف يكون؟

يجب أن يملك كل صفات اللّه، ويدخل عالمنا بطريقة لم يدخله بها أحد من قبل، ويعمل أعمالاً معجزية، ويكون بلا خطية، ويترك أثره العظيم الباقي على العالم كله، مع أشياء أخرى عظيمة كثيرة.

وإنني أعتقد أن اللّه جاء إلى العالم في المسيح، وأن المسيح أظهر كل صفات اللّه. ولننظر الآن إلى هذا المخلِّص:

لو أن اللّه صار إنساناً، فإننا نتوقع منه أن:

1 - يدخل إلى العالم بطريقة غير عادية.

2 - يكون بلا خطية.

3 - يُجري المعجزات.

4 - يكون مختلفاً عن كل ما عداه.

5 - يقول أعظم ما يُقال.

6 - يكون تأثيره شاملاً ودائماً.

7 - يُشبع جوع الناس الروحي.

8 - يكون له سلطان على الموت.

أولاً - لو أن اللّه صار إنساناً

لصار دخوله إلى العالم بطريقة غير عادية

وميلاد المسيح من عذراء برهان على هذا! ونجد القصة في إنجيلي متى ولوقا، وقد سبق ورودها كنبّوَة في العهد القديم، ما معناه نسل المرأة يسحق رأس الحية (تكوين 3: 15) وهذا يعني أن المخلص الآتي سيكون من نسل امرأة، لا من رجل. وهناك نبوة أصرح في إشعياء 7: 14 هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسمَهُ عِمَّانُوئِيلَ ولا شك أن هذه العذراء هي المرأة المشار إليها في التكوين 3: 15.

وقد وردت كلمة العذراء هذه ست مرات أخرى في الكتاب المقدس، بمعنى الفتاة التي لم تتزوج وقد تُرجمت إلى اليونانية في الترجمة السبعينية بكلمة عذراء كما اقتبسها متى (1: 23) على أنها تحققت في ولادة يسوع من العذراء. ويقول إشعياء إن ولادة العذراء معجزة وآية من اللّه نفسه: يعطيكم السيد نفسه آية وهذا معناه ولادة غير طبيعية سبق أن تنبأ عنها إشعياء منذ أجيال بعيدة.

وتتَّسم قصة البشيرين عن الميلاد العذراوي بالدقة التاريخية، فلوقا يقول إنها حدثت وقت تعداد (اكتتاب) أَمَرَ به كيرينيوس. وقد ظن البعض أن كيرينيوس حكم سوريا سنة 8 بعد الميلاد، فيكون التعداد حدث بعد مولد المسيح وبعد موت هيرودس. لكن ثبت أن كيرينيوس حكم مرتين: أولهما من 10 - 7 ق. م، وهذا يجعل الإحصاء الأول وقت ولادة يسوع، وقبل موت هيرودس بقليل، وهو عام 4 ق. م.

ومع أن متى ولوقا يرويان قصة ميلاد يسوع من زاويتين مختلفتين، وقد استقيا المعلومات من مرجعين مختلفين، إلا أنهما يتفقان في أن يسوع حُبل به بالروح القدس من مريم العذراء المخطوبة ليوسف، الذي كان يعلم سرَّ ما حدث لخطيبته.

ونقدم هنا اثنتي عشرة نقطة للتوافق بين قصتي متى ولوقا:

1 - وُلد يسوع في أواخر أيام هيرودس (متى 2: 1 ، 13 ، لوقا 1: 5).

2 - حُبل به من الروح القدس (متى 1: 18 و 20 ، لوقا 1: 35).

3 - أمه عذراء (متى 1: 18 و 20 و 23 ، لوقا 1: 27 ، 34).

4 - كانت مخطوبة ليوسف (متى 1: 18 ، لوقا 1: 27 ، 2: 5).

5 - يوسف من نسل داود (متى 1: 16 و 20 ، لوقا 1: 27 ، 2: 4).

6 - وُلد يسوع في بيت لحم (متى 2: 1. لوقا 2: 4 و 6).

7 - دُعي اسمه يسوع بتوجيه إلهي (متى 1: 21 ، لوقا 1: 31).

8 - أُعلن أنه المخلِّص (متى 1: 21 ، لوقا 2: 11).

9 - عرف يوسف مقدماً بما جرى لمريم، وسببه (متى 1: 18 - 20 ، لوقا 2: 5).

10 - مع هذا فقد أخذ مريم وتحمَّل مسؤليته من نحو الطفل يسوع (متى 1: 20 و 24 و 25 ، لوقا 2: 5).

11 - صاحبت إعلان الميلاد رؤى وإعلانات (متى 1: 20 ، لوقا 1: 26 و 27).

12 - عاشت مريم ويوسف في الناصرة بعد ولادة المسيح (متى 2: 23 ، لوقا 2:39).

ولا يوجد تناقض واحد في سلسلة نسب المسيح. وهناك سلسلتان للنسب تظهران للقارئ السطحي متناقضتين. على أن السلسلة التي أوردها متى هي ليوسف، والتي أوردها لوقا هي سلسة نسب مريم. ولما كان يوسف من نسل يكنيا. فليس له الحق في العرش (إنظر إرميا 22: 30 ، 2 ملوك 2: 24 ومتى 1: 11). ولكن مريم ليست من نسل يكنيا. ولما لم يكن يوسف أباً ليسوع، فإن ليسوع الحق في العرش باعتبار أنه نسل المرأة مريم (لوقا 3: 23).

ويعارض البعض قصة ميلاد يسوع العذراوي بحجة أن مرقس (أقدم البشيرين، والذي سجل ما سمعه من الرسول بطرس) لم يذكر القصة، كما أن يوحنا لم يوردها في إنجيله. ويقدم كلمنت روجرز الرد التالي: كتب مرقس إنجيله في وقت مبكر، كانت مريم أم يسوع حيَّة وقتها، وكانت معروفة لدى الكثيرين، ولم تكن القصة تحتاج لرواية، فوضع مرقس التركيز كله على تعاليم المسيح ومعجزاته، وبشكل خاص على قصة الصليب. أما يوحنا فقد كتب في وقت متأخر، كانت فيه قصة الميلاد العذراوي قد عُرفت وذاعت من قصة إنجيلي متى ولوقا. ويهتم يوحنا بتوضيح موعد وليمة الفصح، ويفترض أن قرَّاءه يعرفون مريم ومرثا. وهو يكتب للمسيحيين، أو على الأقل للمهتمّين بالمسيحية. ولو أن قصة الميلاد العذراوي كانت موضع جدل أو إنكار لكتبها يوحنا ليؤكد صحتها، ولكنه عندما يقول: والكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا يضمّن الفكرة. ولم يذكر يوحنا أيضاً موضوعي المعمودية والعشاء الرباني لأنهما كانا قد أصبحا جزءاً لا يتجزأ من الحياة المسيحية، ولكنه يلمّح إليهما في روايته لقصة نيقوديموس، وفي الحديث عن إشباع الخمسة آلاف (13).

ومن الممكن أن يوحنا يشير إلى الميلاد العذراوي في قوله ابنه الوحيد (يوحنا 3: 16) ويقول جون رايس: أشار يسوع إلى نفسه مراراً بأنه ابن اللّه الوحيد . فهو لم يُولد من يوسف بل من اللّه، فهو ابن اللّه الوحيد وقد جاء هذا التعبير في الإنجيل ست مرات، منها مرتان تحدَّث فيهما يسوع عن نفسه. ولا يقول يسوع إنه أحد أبناء اللّه، لكن ابن اللّه الوحيد . ولم يولد أحد غيره من عذراء. ويمكن أن نقول (بمعنى روحي) إن كل مؤمن وُلد ثانية لرجاء حي (1 بطرس 1: 3) ولكن أحداً لم يولد كما وُلد يسوع بالروح القدس، من مريم العذراء بدون أب بشري (14).

على أن يوحنا يقدم سلسلة نسب يسوع عندما يقول: فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَة,.. وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً (يوحنا 1: 1 و14)، إنه يرجع إلى الأزل متجاوزاً الميلاد العذراوي.

أما بولس فقد آمن بقصة الميلاد العذراوي، لأن لوقا كان رفيق بولس في السفر والخدمة، وهو الذي روى لنا قصة الميلاد. ولا شك أن بولس كان يعلم القصة وأشار إليها عندما قال: أَرْسَلَ اللّهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ (غلاطية 4: 4).

1 - أدلَّة تاريخية على صحة الميلاد العذراوي:

تمت كتابة الأناجيل في وقت قريب من وقت ميلاد المسيح، فلم تمض فترة بين الميلاد وبين تسجيل قصته لتسمح للأساطير بأن تُنسَج حولها. ولو أن قصة الميلاد العذراوي لم تكن صحيحة، فإن سؤالين يعترضاننا:

(ا) لو أن قصة الميلاد العذراوي لم تكن مؤسسة على حقائق، فكيف كانت تنتشر بمثل السرعة التي انتشرت بها؟

(ب) لو لم تكن الأناجيل صحيحة تاريخياً، فكيف حدث قبولها في العالم كله في هذا التاريخ المبكر؟

يقول جريشام ماتشن: لو أن العهد الجديد لم يذكر قصة الميلاد العذراوي فإن الشهادات التي جاءتنا من القرن الثاني عن انتشار عقيدة الميلاد العذراوي قبل أواخر القرن الأول الميلادي، تكفي لإِثبات هذه الحقيقة (15) ولقد كانت هناك طائفة مسيحية اسمها الأبيونيون رفضت تصديق أن العذراء تلد ابناً (إشعياء 7: 14) وقالوا إن ترجمتها هي سيدة شابة تلد ابناً ولكن الثابت أن الكنيسة رفضت فكرة الأبيونيين! وقد آمن كل المسيحيين بالميلاد العذراوي، ما عدا الأبيونيين وقليلين من الغناطسة (العارفون باللّه)، فقد كان الإيمان بالميلاد العذراوي جزءاً لا يتجزأ من إيمان الكنيسة.

ومما يؤيّد ذلك تاريخياً، شهادة الآباء الأقدمين، فأغناطيوس (110 م) يقول في رسالته لأهل أفسس: إلهنا يسوع المسيح حُبل به بالروح القدس في رحم العذراء مريم . ويقول عذراوية القديسة مريم والمولود منها... أسرار أجراها اللّه في الخفاء، والعالم كله يتحدث عن ذلك . وقد أخذ أغناطيوس هذه الحقيقة عن معلّمه يوحنا الرسول. وكانت هذه العقيدة معروفة. وقد هاجمها كيرنتوس عدو الرسول يوحنا، ويقول جيروم إن كيرنتوس علَّم أن المسيح وُلد من يوسف ومريم كأي إنسان آخر. وقد التقى الرسول يوحنا بكيرنتوس في حمام عام، فصرخ يوحنا: لنخرج كلنا من هنا قبل أن ينهدم الحمام على كيرنتوس عدو الحق .

وقد كتب أرستيدس (125 م) عن الميلاد العذراوي، قال: إنه ابن اللّه المتعالي، الذي وُلد بالروح القدس من مريم العذراء. إنه حسب الجسد من الجنس العبراني، بزرع اللّه في مريم العذراء (4).

ويقدم جستن الشهير (150 م) برهاناً قوياً على الميلاد العذراوي، فيقول: معلمنا يسوع المسيح، ابن اللّه الوحيد، لم يولد ثمرة لاتصال جنسي... ولكن قوة اللّه حلَّت على العذراء وظللتها، وجعلتها تحبل مع بقائها عذراء... لأنه بقوة اللّه حُبل به من العذراء... فبحسب مشيئة اللّه وُلد يسوع المسيح، ابن اللّه، من العذراء مريم .

وكتب ترتليان، المحامي، أول مسيحي عظيم ممن يتكلمون باللغة اللاتينية. وهو لا يقول لنا فقط إن عقيدة الميلاد من عذراء كانت معروفة في عصره (200 م) بل يزيد بأن يقول لنا إن الاسم اللاهوتي لهذه العقيدة هو تسيرا . ونحن نعلم أن العقيدة لا يصير لها اسم لاهوتي إلا بعد أن تكون قد رسخت فترة من الزمن. ويقتبس ترتليان نصّ العقيدة أربع مرات، وفيها العبارة: إكس فيرجين ماريا (أي من مريم العذراء) (13).

2 - أدلة من الشهادة اليهودية القديمة:

وكما نتوقع، هاجم اليهود عقيدة الميلاد العذراوي، أي أنه منذ القرن الأول واجهت الكنيسة جدلاً حول ميلاد المسيح العذراوي، الأمر الذي يوضح لنا أن الكنيسة علّمت بهذه العقيدة منذ البداية.

في سلسلة نسب يهودية، ترجع إلى ما قبل سنة 70 م، نجد اسم يسوع مكتوباً على أنه ابن لسيدة متزوجة. ولا بد أن البشير متى كان يعرف هذه الكتابات، فكتب يحذّر ضدها. وقد شهَّر علماء اليهود فيما بعد بيسوع على أنه ابن زانية، كما ادعَّوا بأن اسم الزاني المجهول هو بانثيرا . وفي كتاباتهم القديمة أطلقوا عليه اسم يسوع بن بانثيرا . أما كلسوس الكاتب الأفلاطوني الذي جمع في كتاباته بين الغث والثمين فقد جمع 160 من النوادر اليهودية عن علاقة مريم والشخص الخيالي بانثيرا (8).

وفي التاريخ اليهودي لحياة يسوع يُقال: إنه أصل غير شرعي نتيجة صلة أمه بجندي يُدعى بانثيرا (16).

وبالطبع ما كان اليهود ليثيروا هذه القضية في كتابات كثيرة لو لم يكن المسيحيون ينادون بعقيدة الميلاد العذراوي.

وفي دفاع أوريجانوس ضد كلسوم يقول: لنرجع إلى ما قاله اليهود من أن النجار خطيب مريم قد تخلَّى عنها لأنه اقتنع أنها زنت وحبلت بطفل من جندي يدعى بانثيرا. إنهم يقولون هذا لأنهم يريدون أن يتخلَّصوا من فكرة الميلاد المعجزي بالروح القدس. ولكن لماذا لم يقولوا إن يسوع ثمرة زواج عادي؟ إنهم بهذه الفرية يُقرُّون بأن يسوع لم يُولد ولادة عادية. الواضح أنهم لينكروا حقيقة، اخترعوا كذباً! لقد لفَّقوا قصصاً تافهة ليغطّوا كذبهم. هل من المعقول أن شخصاً خدم العالم كل هذه الخدمات، وعاش هذه الحياة النافعة على الأرض، لا يولد بطريقة معجزية، بل يولد من زنا. بل المنتظر هو أن هذه النفس التي صنعت صلاحاً أكثر من الجميع تحتاج إلى جسد لا يختلف فقط عن سائر الأجساد، بل ويسمو عليها كلها (17).

والأناجيل تذكر هذه المعارضة للميلاد العذراوي:

أَلَيْسَ هذَا هُوَ النَّجَّارَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَأَخَا يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَيَهُوذَا وَسِمْعَانَ؟ أَوَلَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ ه هُنَا عِنْدَنَا؟ فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ (مرقس 6: 3).

أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ أَبِيكُمْ . فَقَالُوا لَهُ: إِنَّنَا لَمْ نُولَدْ مِنْ زِناً. لَنَا أَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ اللّهُ (يوحنا 8: 41).

ولقد اعتاد اليهود أن يطلقوا على الشخص اسم أبيه (يوحانان بن زكاي، مثلاً) حتى لو كان أبوه قد مات قبل ولادته: وكانوا يطلقون عليه اسم أمه عندما يكون مجهول الأب (8). ولقد اتهم اليهود المسيح بأنه أكول وشريب خمر، وكانت هذه الصفة تُطلق على ابن الزنا بين يهود فلسطين. لأنه بهذا السلوك ينمُّ عن أصله الوضيع، وبهذا المفهوم اتَّهم الفريسيون يسوع! (8). ومن هذا نرى أن اليهود اختلقوا فكرة ميلاد المسيح غير الشرعي ليقاوموا فكرة الميلاد العذراوي التي علَّمت بها الكنيسة منذ بداية عهدها.

3 - اقتباسات من مؤلفين عالميين:

والآن لندرس ما يقوله بعض المؤلفين العالميين:

قال جرفث توماس: أكبر ما يسند عقيدة الميلاد العذراوي أن المسيح كان فريداً في حياته (29).

ويقول هنري موريس: من المناسب جداً أن الشخص الذي أجرى كل المعجزات في حياته، وبذل نفسه على الصليب لأجل فداء البشر، ثم قام منتصراً من الموت تأييداً لأقواله، يكون قد بدأ حياته بالدخول إلى العالم بطريقة فريدة .

ويمضي موريس فيقول: إن كان هو المخلّص، فلا بد أن يكون أعظم من مجرد إنسان، مع أنه ابن الإنسان. ولكي يموت عن خطايانا يجب أن يكون بلا خطية، وليكون بدون خطية في السلوك يجب أن يكون أولاً بلا خطية في الطبيعة، فما كان يمكن أن يكون قد ورث الطبيعة البشرية الساقطة المحكوم عليها باللعنة والعبودية للخطيئة مثل سائر البشر، فلا بد إذاً أن يكون ميلاده معجزياً. أن نسل المرأة قد زُرع في رحم العذراء كما قال الملاك: اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُّوَةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذ لِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللّهِ (لوقا 1: 35).

ثم يقول موريس: الميلاد العذراوي صحيح، لا لأن الكتاب المقدس يعلّمه فقط، بل لأنه أيضاً نوع الميلاد الذي يتمشى مع طبيعة المسيح ورسالته كمخلّص للعالم الهالك. إن من ينكر عقيدة الميلاد العذراوي ينكر وجود اللّه، وينكر أن اللّه صاحب سلطان على خليقته (18).

ويقول جريشام مكتشن: عقيدة الكنيسة بالميلاد العذراوي صادقة لأنها الحقيقة (15).

ويقول القرآن في سورة مريم: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً (آيتا 20 ، 21).

ثانياً - لو أن اللّه صار إنساناً

فلا بد أن يكون خالياً من الخطأ

ولنطالع أولاً شهادة المسيح عن نفسه. إنه يسأل: مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ (يوحنا 8: 46). ولم يجاوبه أحد من أعدائه. ولو أنه كان خاطئاً لما استطاع أن يوجّه مثل هذا السؤال.

وقال أيضاً: لِأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ (يوحنا 8: 29) فقد كانت علاقته باللّه كاملة على الدوام، وإحساسه بالطهارة الكاملة مذهل. وكل مؤمن باللّه يعلم أنه كلما زاد قرباً من اللّه زاد شعوره بخطئه، ولكن هذه لم تكن الحالة مع المسيح، فقد عاش حياة القرب الكامل من اللّه بدون شائبة.

يخبرنا الإنجيل أن الشيطان جرب المسيح (لوقا 4) لكنه لا يقول إنه أخطأ! لم نسمعه يعترف أو يطلب غفران اللّه، مع أنه علَّم تلاميذه الاعتراف وطلب المغفرة. ومن الواضح أنه لم يكن لديه أي شعور بالذنب الملازم للطبيعة الساقطة.

1 - أصدقاؤه يشهدون لكماله:

لم يقدم الكتاب المقدس أياً من أبطاله بدون عيب، فقد سجَّل أخطاء الجميع بمن فيهم موسى وداود، وفي كل سفر من العهد الجديد نرى نقائص الرسل، ولكنهم لا يذكرون نقصاً واحداً في المسيح. ولشهادة الرسل أهميتها لأنهم عاشوا في قرب قريب من يسوع نحو ثلاث سنوات، وكانوا يهوداً يدركون التعليم اليهودي عن الطبيعة الإنسانية الخاطئة، ولكنهم شهدوا لكماله بطريقة غير مباشرة، فلم يحاولوا برهنة كماله، لكنهم أوضحوها عندما ذكروا ما عرفوه عن حياته. لم يروا خطية واحدة فيه مع أنهم رأوا خطايا أنفسهم. لقد جادلوا وتذمَّروا، لكنهم لم يروا يسوع يفعل شيئاً من هذا. ونتيجة لهذا يقول بطرس: بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلَا عَيْبٍ وَلَا دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِب (1 بطرس 1: 19)، ويقول: الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلَا وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ (1 بطرس 2: 22)، ويقول يوحنا: وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا، وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ (1 يوحنا 3: 5) (راجع 1 يوحنا 1: 8 - 10). يقول يوحنا إن البشر إن قالوا إنه ليس لهم خطية يُضلّون أنفسهم وليس الحق فيهم، لكنه يقول إن المسيح ليس فيه خطية!

حتى يهوذا، التلميذ الخائن رأى براءة المسيح فقال قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَماً بَرِيئاً (متى 27: 3 ، 4).

ويشهد بولس الرسول أن المسيح كان بلا خطية (2 كورنثوس 5: 21).

2 - أعداؤه يشهدون لكماله:

شهد أحد من اللصين المصلوبين معه لكماله بالقول: أَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئاً لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ (لوقا 23: 41).

وبيلاطس يشهد لكماله: إِنِّي لَمْ أَجِدْ فِيهِ عِلَّةً لِلْمَوْتِ (لوقا 23: 22).

وقائد المئة يقول: بِا لْحَقِيقَةِ كَانَ هذَا الْإِنْسَانُ بَارّاً (لوقا 23: 47).

وقد حاول أعداؤه الشكوى ضده، فلم يجدوا فيه عيباً (مرقس 14: 55 ، 56). ويلخّص مرقس الشكاوَى التي وُجِّهت ضده، فيقول أولاً إنهم اتهموه بالتجديف لأنه غفر خطايا الناس، مع أن اللّه وحده هو الذي يغفر. وثانياً اتهموه أنه كان يخالط الخطاة والسكيرين والزواني، الأمر الذي كان رجال الدين اليهودي يتحاشونه، وكان ردُّه على ذلك أنه طبيب الخطاة (مرقس 2: 17). واتهموه ثالثاً أنه لم يصُمْ كالفريسيين، ولو أنه كان يتمسك بدينه. وأخيراً كانوا متضايقين لأنه نقض شريعة السبت اليهودية، إذ شفى المرضى في يوم السبت. ولكنهم لم ينكروا عليه أنه كان مطيعاً لناموس اللّه. والحق أنه رب السبت فاختار أن يكسر التقاليد اليهودية في تفسير شريعة اللّه عن يوم السبت، دون أن يكسر الوصية نفسها.

3 - التاريخ يشهد لكماله:

في سورة مريم في القرآن يقول الملاك لمريم: أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً (آية 19) (والزكي هو الطاهر الذي لا عيب فيه) ويقول في سورة آل عمران: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ (مريم) وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (آية 36). وفي الحديث: ما من مولود يولد إلا مسَّه الشيطان حين يولد، فيستهلّ صارخاً، إلا مريم وابنها . رواه الشيخان.

ويقول المؤرخ فيليب شاف: هنا قدس الأقداس البشرية. لم يعش أحد كما عاش المسيح الذي لم يؤذ أحداً ولم يستغل أحداً، ولم ينطق بكلمة عاطلة، ولم يرتكب عملاً خاطئاً. والانطباع الأول الذي يسود علينا عن حياة المسيح هو البراءة الكاملة والعصمة من الخطية وسط عالم فاسد. فهو وحده - لا سواه - كان بلا عيب في طفولته وشبابه ورجولته، ولذلك فالحمل والحمامة رمزان مناسبان لطهارته. وبعبارة موجزة هو الكمال المطلق الذي يرفع شخصيته فوق مستوى البشر ويجعله معجزة العالم الأخلاقية، وهو التجسد الحي للفضائل والقداسة، وأسمى مثال لكل صلاح ونقاء ونُبْل في نظر اللّه والناس. هذا هو يسوع الناصري الإنسان الكامل في جسده ونفسه وروحه، ولكنه يختلف عن البشر جميعاً. هو الفريد من طفولته إلى رجولته، الذي عاش في اتحاد دائم باللّه، تفيض محبته على الناس، خالٍ من كل عيب وشر، مكرَّس لأقدس الأهداف. كانت تعاليمه وحياته في توافق تام، وختم أطهر حياة بأسمى موت. إنه النموذج الوحيد الكامل للصلاح والقداسة (مرجعا 6 ، 7).

ويقول جون سكوت: إن نسيان النفس في خدمة اللّه والناس هو ما يدعوه الكتاب المقدس بالمحبة. المحبة لا تهتم بما لنفسها، بل تبذل نفسها. وقد كان يسوع بلا خطية لأنه لم يكن أنانياً يطلب ما لنفسه. وهذه هي المحبة واللّه محبة (19).

ويقول ولبر سمث: كانت أبرز صفات يسوع في حياته الأرضية هي ما نفشل جميعاً فيها، ومع ذلك نعترف أنها أعظم الصفات جميعاً. إنها صفة الصلاح المطلق، أي الطهارة الكاملة، والقداسة الحقيقية. وفي هذا كان يسوع معصوماً من الخطأ (10).

ويقول جفرسون: إن أعظم برهان على كمال المسيح هو أنه جعل المحيطين به يعترفون بكماله. فلم يصدر عنه في كل أحاديثه أي شيء من الندم أو الحزن على تقصير أو خطإٍ صدرا منه. لقد علَّمهم أنهم خطاة وأن القلب البشري شرير، وأنهم يجب أن يطلبوا الغفران كلما يصلّون. ولكنه لم يطلب مطلقاً الغفران لنفسه، فلم يفعل إلا كل ما يرضي اللّه (20).

ويقول كنث لاتوريت المؤرخ الشهير: لا يوجد أي أثر لإِحساس المسيح بارتكاب خطإ. وشخص في مثل سمو المسيح يقدّم لأتباعه أعلى المبادئ ويعلّمهم ضرورة الاعتراف بالخطية وطلب المغفرة لها، دون أن يحتاج هو نفسه لذلك، لا بد أن يكون كاملاً. لقد كتب مبادئ الموعظة على الجبل بحياته، ولم تكن الموعظة إلا ترجمة لحياته (21).

ونختتم هذا الموضوع باقتباس آخر من المؤرخ المسيحي فيليب شاف: كلما زادت قداسة الإنسان، زاد إحساسه بالحاجة إلى الغفران، وشعوره بنقصه عن المستوى الروحي المطلوب. ولكن يسوع الذي جاء في صورة جسدنا، وتجرَّب مثلنا، لم يستسلم للتجربة، ولم يكن لديه ما يدعو للندم أو للاستغفار، سواء عن فعل أو قول أو فكر. لم يكن محتاجاً إلى غفران أو تغيير أو إصلاح، ولم يفقد - ولو للحظة واحدة - توافقه مع الآب. وكانت حياته سلسلة متصلة من التكريس لمجد اللّه ولخير الناس الأبدي (7).

4 - المتشدّدون يشهدون لكماله:

يقول روسو: عندما يصف أفلاطون الإنسان الخيالي الكامل، الذي يتحمَّل عقاب الذنوب كلها، لكنه يستحق أفضل جوائز الفضيلة، فإنه يصف بالضبط شخصية يسوع المسيح (6).

ويقول الكاتب المشهور جون ستيوارت ميل: مَنْ من بين تلاميذه أو الذين آمنوا به كان يستطيع أن يقول كلمات مثل التي قالها يسوع، أو كان يقدر أن يتخيَّل حياةً تشابه تلك الحياة التي تحدَّثت عنها الأناجيل؟ (6).

ويقول رالف والدو إمرسون: يسوع أعظم كمالاً من كل الناس الذين ظهروا في العالم (22).

ويقول المؤرخ وليم ليكي: إنه ليس فقط النموذج الأسمى للفضيلة، لكنه أقوى باعث على ممارستها (23).

وحتى دافيد ستراوس أشد من هاجم ما هو معجزي في الأناجيل، والذي حاول - أكثر من أي كاتب آخر - أن يحطم الإيمان بالمسيح - حتى ستراوس هذا، بكل قواه العقلية الفذة وطاقاته الذهنية التي سخَّرها جميعاً في نقد الكتاب المقدس والإِنكار الكلي لكل ما هو معجزي، اضطر في أواخر حياته أن يعترف بأن في المسيح الكمال الأخلاقي، وقال: هذا المسيح شخص تاريخي وليس أسطورياً، وهو شخص وليس مجرد رمز.. أنه يظل على الدوام أعلى نموذج للدِّين يمكن أن يصل إليه فكرنا، ولا يمكن أن يصل إنسان إلى التقوى بدون حضوره في القلب (6).

وختاماً نقتبس قول برنارد رام: إن ما نتوقع أن نراه في اللّه متجسداً، هو الكمال الخالي من الخطية، والخلو المطلق من الخطية، وهذا ما نجده في يسوع المسيح حقيقة جلية .

ثالثاً - لو أن اللّه صار إنساناً

لأجرى المعجزات فوق الطبيعية

1 - شهادات كتابية:

اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا رَأَيْتُمَا وَسَمِعْتُمَا: إِنَّ الْعُمْيَ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجَ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصَ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمَّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينَ يُبَشَّرُونَ (لوقا 7: 22).

فالمعجزات التي أجراها المسيح تُظهر سلطانه في ميادين كثيرة، مثل سلطانه على الطبيعة وعلى الأمراض وعلى الشياطين وعلى الموت. وكانت هذه المعجزات تحقيقاً للنبوات عن المسيح في العهد القديم.

ونقدم هنا معجزات في ميدان الشفاء الجسدي:

أبرص - متى 8: 2 - 4 ، مرقس 1: 40 - 45 ، لوقا 5: 12 - 15.

مفلوج - متى 9: 2 - 8 ، مرقس 2: 3 - 12 ، لوقا 5: 18 - 26.

مريض بالحمى (حماة بطرس) - متى 8: 14 - 17 ، مرقس 1: 29 - 31.

ضعف جسدي - يوحنا 5: 1 - 9.

يد يابسة - متى 12: 9 - 13 ، مرقس 3: 1 - 6 ، لوقا 6: 6 - 11.

صمم وخرس - مرقس 7: 31 - 37.

العمى - مرقس 8: 22 - 25 ، يوحنا 9 ، مرقس 10: 46 - 52.

عشرة برص - لوقا 17: 11 - 19.

أذن ملخس المقطوعة لوقا 22: 47 -51.

نزيف دموي - متى 9: 20 - 22 ، مرقس 5: 25 - 34 ، لوقا 8: 43 - 48.

إستسقاء - لوقا 14: 2 - 4.

معجزات في ميدان الطبيعة:

تحويل الماء إلى خمر - يوحنا 2: 1 - 11.

إسكات عاصفة - متى 8: 23 - 27 ، مرقس 4: 35 - 41 ، لوقا 8: 22 - 25.

زيادة الطعام ليكفي 5000 - متى 14: 15 - 21 ، مرقس 6: 34 - 44 ، لوقا 9: 11 - 17 ، يوحنا 6: 1 - 14 وليكفي 4000 - متى 15: 32 - 39 ، مرقس 8: 1 - 9.

السير على الماء - متى 14: 22 ، 23 ، مرقس 6: 45 - 52 ، يوحنا 6: 19.

النقود من السمكة - متى 17: 24 - 27.

شجرة التين تيبس في الحال - متى 21: 18 - 22 ، مرقس 11: 12 - 14.

معجزات إقامة موتى:

إقامة ابنة يايرس - متى 9: 18 - 26 ، مرقس 5: 35 - 43 ، لوقا 8: 41 - 56.

ابن أرملة نايين - لوقا 7: 11 - 15.

لعازر - يوحنا 11: 1 - 44.

2 - شهادات وتعليقات على معجزاته:

قال بول لتل: كان للمسيح سلطان عظيم على الطبيعة، لا يمكن أن يكون إلا للّه خالق قُوَى الطبيعة (24).

ويقول كلايف لويس في كتابه المعجزات : ستبقى كل أساسيات الديانة الهندوسية باقية لو نزعْتَ الجانب المعجزي منها، وهكذا الحال مع ديانات أخرى. ولكنك لا تقدر أن تفعل هذا مع المسيحية، فإنها قصة المسيح، المعجزة العظيمة (25).

ويقول برنارد رام: في الديانات المختلفة يؤمن الناس بالمعجزات لأنهم قد آمنوا بالدين، أما الكتاب المقدس فإن المعجزات فيه جزء من وسائل تأسيس الدين الحقيقي. وهذا فارق بالغ الأهمية، فلقد ظهرت إسرائيل في الوجود بسلسلة من المعجزات، وأُعطي الناموس محاطاً بمعجزات، وصاحبت رسائل الأنبياء معجزات. وجاء المسيح، لا واعظاً فقط، بل صانع معجزات أيضاً، وهكذا كان الرسل يصنعون معجزات. لقد برهنت المعجزات صدق الرسالة (26).

ويميّز فيليب شاف بين قصص المعجزات السحرية المذكورة في القصص السوقية وغيرها من الكتابات الأسطورية، وبين معجزات الكتاب المقدس، فيقول إن معجزات الكتاب المقدس جاءت طبيعية ببساطة ويُسر، حتى إننا ندعوها أعمال اللّه (7).

ويقول جرفث توماس إن كلمة أعمال اللّه تعني أنها ثمر طبيعي لحياته وتعبير طبيعي عن نفسه، فلا بد أن شخصاً مثل المسيح يُجري الأعمال الخارقة (29).

ويمضي فيليب شاف ليقول: كانت كل معجزاته مظهراً لشخصه، فأجراها كلها ببساطة كأعمال عادية يعملها كل يوم. وقد دفعه إلى عملها كلها أطهر الدوافع، لمجد اللّه ولخير الناس. إنها معجزات محبة ورحمة، عامرة بالتوجيهات والتعاليم المتَّسقة مع شخصيته ورسالته (6).

ويقول ف. تشيز: تذخر كل الأناجيل بمعجزات المسيح، لكن لو جمعناها معاً لاكتشفنا فيها وحدة غير مرسومة، ولوجدنا أنها تجدد كل نواحي حياة الإنسان ليستعيد سلامه العقلي والروحي والجسدي. ولا تعرض الأناجيل معجزات المسيح لتظهر قوته أو عظمته، ولو أنها فعلت ذلك لظهرت غير طبيعية. إنها تعبير عن محبته ورحمته للناس (5).

ويقول جارفي: تتفق المعجزات تماماً مع شخصية المسيح ورسالته، فهي ليست دليلاً خارجياً، بل هي جزء لا يتجزأ من إعلان محبة الآب السماوي ورحمته ونعمته في المسيح يسوع ابن اللّه الحبيب وفادي البشر الحنون الكريم .

ويقول توماس جريفث: بالنسبة لنا نحن، المسيح نفسه هو أعظم معجزة، والتفكير المنطقي السليم هو أن نبدأ من المسيح إلى المعجزات، وليس من المعجزات إلى المسيح .

3 - شهادات يهودية قديمة لمعجزاته:

يقول أثلبرت ستوفر: نجد في كتابات اليهود القديمة الكثير من الإِشارات لمعجزات المسيح، سواء في كتبهم الدينية أو تواريخهم، فيقول المعلم أليعازر بن هيرانوس (سكن في اللد سنة 95 م): إن معجزات يسوع فنون سحرية . وفي كتابات السنهدريم (من سنة 95 - 110 م) نفي لمعجزات المسيح باعتبارها من أعمال السحر لتضليل إسرائيل. ونحو سنة 110 م نقرأ جدال بين يهود فلسطين إن كان يجوز إجراء الشفاء باسم يسوع. وهذا بالطبع يعني اعترافهم بأن يسوع كان يشفي (8).

ونجد في كتابات الإمبراطور جوليان المرتدّ عن المسيحية (361 - 363 م) وأحد الأعداء الألدّاء للمسيحية، قوله: يسوع، الذي مضى على زمنه نحو 300 سنة، لم يعمل شيئاً في حياته يستحق الشهرة، إلا إذا ظنَّ أحد أن شفاء أعرج أو أعمى أو مجنون في قرى بيت صيدا وبيت عنيا شيء عظيم (6). وهو بهذا يشهد - دون قصد - أن يسوع عمل المعجزات في بيت صيدا وبيت عنيا!

ويشهد القرآن للمسيح بعمل المعجزات وإقامة الموتى وغير ذلك (المائدة 110).

ويذكر من المعجزات: الخلق والابراء والإحياء وعلم الغيب، لأن اللّه أيده بروح القدس (المائدة 113) وهذا ما لم يحدث لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده (الرازي). ويقول الجلالان: فأبرأ في يوم خمسين ألفاً بالدعاء بشرط الإيمان .

4 - معجزاته لا لَبْسَ فيها:

فقد أجرى يسوع معجزاته أمام الجمهور الناقد المتفحّص. وعندما أقام لعازر من الموت لم ينكر أعداؤه المعجزة، ولم يحاولوا أن يكذبوها، بل أرادوا أن يقتلوه ويقتلوا لعازر، البرهان الصادق على حدوث المعجزة! (يوحنا 11: 48) وكان هدفهم أن يمنعوا الناس من الإيمان بالمسيح.

لقد عرف معاصرو المسيح قدرته على عمل المعجزات، ولكن أعداءه نسبوا هذه القوة إلى الأرواح الشريرة، بينما أدرك أصحابه أنها قوة اللّه. (متى 12: 24). وقد أجاب المسيح على اتهام أعدائه هذا بقوله: كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تُخْرَبُ، وَكُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ بَيْتٍ مُنْقَسِمٍ عَلَى ذَاتِهِ لَا يَثْبُتُ. فَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ يُخْرِجُ الشَّيْطَانَ فَقَدِ انْقَسَمَ عَلَى ذَاتِهِ. فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَمْلَكَتُهُ؟ (متى 12: 25 و26).

صحيح أن الديانات المختلفة تعزو معجزاتٍ لمؤسسيها، لكن أكاذيبهم لا يجب أن تجعلنا نكذّب المعجزات التي أجراها المسيح. فإن بعض الناس يرفضون المعجزات بحُجة أنها ضد القوانين الطبيعية، ولكن القوانين الطبيعية ليست علّة الأشياء، بل هي مجرد وصف لما يسمح اللّه بحدوثه. فعندما نتحدث عن معجزات يسوع نرى تدخُّل اللّه ليوجّه قوانين الطبيعة وسَيْر الأحداث. والمعجزات هي إحدى وسائل اللّه للاتصال بنا، وإيماننا بها يتوقف على إيماننا به.

ولو أننا سمحنا للفكر العلمي عن انتظام واستمرارية الطبيعة، أن يغلق الطريق أمامنا، فإن إيماننا بالمعجزات سيكون مستحيلاً. ولكننا لو فعلنا هذا نكون قد قررنا النتيجة قبل أن نفحص الأدلّة! إن العلم يقدر أن يقول إن المعجزات لا تحدث في النظام الطبيعي العادي، ولكنه لا يقدر أن يمنع المعجزات، لأن القوانين الطبيعية ليست علّة الأشياء، وبالتالي فهي لا تمنعها.

ويقول فيليب شاف: المعجزات أشياء فوق الطبيعة وليست ضدها. إنها تعبير عن قانون أعلى، تخضع له القوانين الأدنى .

ويقول جون برودوس: خذ الأناجيل وادرسها. لو أن المسيح لم يعمل المعجزات فإنه بالتأكيد يكون قد قال الكثير من الكذب. إما أنه تكلَّم كما لم يتكلم أحد قطّ، وأن شخصيته هي بلا عيب، وأنه صنع معجزات، أو أنه كذب علينا! .

وقال الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه حياة المسيح (كتاب الهلال يناير 1958):

من الحق أن نقول إن معجزة المسيح الكبرى هي هذه المعجزة التاريخية التي بقيت على الزمن ولم تنْقَضِ بانقضاء أيامها في عصر الميلاد: رجل ينشأ في بيت نجار في قرية خاملة بين شعب مقهور، يفتح بالكلمة دولاً تضيع في أطوائها دولة الرومان، ولا ينقضي عليه من الزمن في إنجاز هذه الفتوح ما قضاه الجبابرة في ضم إقليم واحد، قد يخضع إلى حين ثم يتمرد ويخلع النير، ولا يخضع كما خضع الناس للكلمة بالقلوب والأجسام.

وتم على يد هذا الرسول نقيض ما يتم على أيدي الوثنية في صولتها وسلطانها، فإن الوثنية تتغلب لأنها دين الدولة الغالبة، أما هذه الرسالة - رسالة الملكوت السماوي - فقد نشأت في عشيرة قبيلة ذليلة، تحكمها تارة دولة الرومان الغربية، وتحكمها تارة أخرى دولة الرومان الشرقية، فلم يمض غير أجيال معدودات حتى غزت الدولتين واستوت على العاصمتين، وصحَّ ما رووه عن جوليان - سواء قاله أو لم يقله - فانتصر الجليلي بملكوته السماوي على ممالك القياصر، وضم القياصر إلى حاشيته، فمنه يأخذون ما أخذوه باسم قيصر وما أخذوه باسم اللّه! .

ويختم الأستاذ عباس العقاد كتابه هذا بقوله:

وبعد، فهذا الكتاب مقصور على غرض واحد، وهو جلاء العبقرية المسيحية في صورة عصرية، نفهمها الآن كما نفهم العبقريات على أقدارها وأسرارها، وقد قلَّ فيها نظير هذه العبقرية العالية في تواريخ الأزمان قاطبة. ولا يزال هذا الغرض المجيد متَّسعاً للتوفية والتجلية من نواح عدة، فإن كُتب لنا أن نُوفَّق لزيادة شيء إلى هذه الذخيرة القدسية، فذلك حسبنا وكفى .

رابعاً - لو أن اللّه صار إنساناً

لجاء مختلفاً عن كل البشر!

كان تأثير يسوع على الناس عظيماً حتى وقفوا معه أو ضده، ولكنهم لم يملكوا أن يكونوا لا مبالين معه! ويقول القرآن عنه: المسيح عيسى بن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة، ومن المقربين (آل عمران آية 45) ويقول البيضاوي: وجيهاً في الدنيا بالنبّوَة وفي الآخرة بالشفاعة ويقول الرازي: الوجاهة في الدنيا هي النبّوَة أو استجابة دعائه، أو براءته من العيوب. وفي الآخرة الشفاعة، أو علّو درجته ومنزلته، أو كثرة ثوابه .

ويقول بسكال: من أين للبشيرين أن يعرفوا صفات البطولة الكاملة، حتى يرسموها بكل هذا الكمال والجلال في المسيح يسوع؟ .

ويقول مارتن سكوت: من كل وجه كان يسوع إنساناً حقيقياً بل وأعظم من إنسان (9). فإن يسوع هو اللّه الذي ظهر في الجسد تحت ظروف الزمن، وهذه فكرة غير عادية. كانت حياته مقدسة، وكلماته صادقة. كان الحق متجسداً، بلا مثيل في الكمال والطهر والاتزان العاطفي والعقلي، له النظرة الصافية والبصيرة النفاذة.

ويقول جون يونج في كتابه مسيح التاريخ : كيفيمكن أنه في كل الأجيال لم يُقْم شخص كامل كيسوع؟ إن ما عمله اللّه للتقوى والفضيلة على الأرض في وقت ما وفي حالة ما، يمكن أن يتكرَّر في أوقات وحالات أخرى. ولو كان يسوع إنساناً فقط لأقام اللّه، على توالي الأجيال، أشخاصاً مثله يكونون نماذج للبشر في القداسة والتعليم والنهوض بالعالم. ولكن اللّه لم يفعل! (27).

ويقول كارنيجي سمبسون: لا يمكن أن تضع يسوع في نفس المستوى مع الآخرين، فعندما نقرأ اسمه في قائمة العظماء من كونفوشيوس إلى جوته نشعر أننا أسأنا إلى اللياقة والذوق، فإن يسوع ليس واحداً من هؤلاء العظماء. تحدَّثْ عن الاسكندر الأكبر أو شرلمان العظيم أو نابليون العظيم - كما شئت.. ولكن يسوع يقف وحده، فهو ليس الأكبر! إنه الوحيد . إنه يسوع الفريد وكفى! إنه لا يخضع للتحليل. إنه يسمو فوق كل نقد. إنه يبعث فينا الاحترام الكامل له (19).

ويقول فيليب شاف: لم تنحرف غيرته إلى انفعال، ولا ثباته إلى عناد، ولا إحسانه إلى ضعف، ولا رقّته إلى مجرد عواطف. لقد كان اجتماعياً شديد المبالاة بالناس، رغم أن روح العالم لم تسيطر عليه. كانت عظمته خالية من الكبرياء والجرأة، وكان تعلّقه بالناس بعيداً عن رفع التكلّف الذي لا داعي له، وإنكاره لنفسه بدون كآبة، واعتداله بلا تزمّت.. لقد جمع براءة الأطفال بقوة الرجال، وحوى التعبّد العميق للّه مع الاهتمام الكامل بخير البشر. جمع بين الحب الرقيق للخطاة والقسوة الشديدة على الخطية. وجمع بين الوقار الآسر والتواضع الجاذب. جمع بين الشجاعة التي لا تخاف والحذر الحكيم، وحوى الحزم الذي لا يستسلم مع اللطف الجميل (6).

في حديث بين روبرت براوننج وتشارلس لام عن انطباعاتهما لو أن أحد الموتى دخل عليهما، سُئل لام عما يفعله لو أن المسيح دخل الحجرة قال: لو أن شكسبير دخل الحجرة لقُمنا كلنا لنقابله، ولكن لو أن هذا الشخص (يسوع) دخل إليها لخررنا جميعاً محاولين أن نقّبل هدب ثوبه (19).

ويقول شاف: ما يعترف به الجميع... أن يسوع قد علّم أطهر مبادئ الأخلاق، التي تُلقي بكل النظريات الأخلاقية الأخرى وحكمة أحكم الحكماء، في الظلال (6).

ويقول جوهان تفريدفون هردر (في الموسوعة الدينية): إن يسوع المسيح، بأسمى معاني الكلمة هو المثال الأعلى للبشرية، باعتراف الجميع .

وقال نابليون بونابرت: إنني عليم بالناس، ولكني أقول إن يسوع المسيح ليس مجرد إنسان، فليس بينه وبين أي إنسان آخر في العالم مجال للمقارنة. لقد أسّست أنا والاسكندر وقيصر وشرلمان إمبراطوريات، لكن عَلاَمَ أرسينا قواعدها؟ على القوة! ولكن يسوع المسيح أسّس إمبراطوريته على الحب. وفي هذه اللحظة هناك الملايين المستعدون أن يموتوا من أجله (22).

يقول ثيودور باركر، أحد الموحّدين المشهورين (ممن ينكرون التثليث): إن يسوع يجمع في نفسه أسمى المبادئ مع أروع الأفعال السماوية، وفي صورة أسمى من كل ما حلم به الأنبياء والحكماء، فهو يخلو من كل ظنون عصره وأمته، ويفيض بالتعاليم الجميلة كالنور، والطاهرة كالسماء، والصادقة كاللّه. وها قد مرَّت ثمانية عشر قرنا منذ أن ارتفعت شمس البشرية إلى الذروة في يسوع المسيح. وأي إنسان أو أي مذهب استطاع أن يستوعب كل فكرِه ويدرك كل تعاليمه ويطبقها تماماً على الحياة ؟.

ويقول فيلبس بروكس: في يسوع المسيح نرى تنازل اللّه ورفعة البشرية .

وإليك ما يقوله بعض معارضي المسيح:

يقول العبقري جوته قرب نهاية حياته، وهو يتطلع إلى التاريخ: لو أن كائناً إلهياً ظهر في التاريخ لكان هو المسيح ... إن العقل البشري، مهما تقدم في مختلف الميادين، لن يسمو فوق قِيَم وآداب المسيحية التي تشرق وتتوهّج في الأناجيل (7) ويقول: إنني أحترم الأناجيل وأعتبرها صحيحة، فمنها يشرق نور الجلال والسمّو من شخص المسيح السماوي الذي لم يظهر له مثيل في الأرض (2).

وعندما سئل المؤرخ ه-. ج. ويلز عن الشخص الذي ترك أعمق أثر دائم على التاريخ، قال: إنه بمقياس العظمة التاريخية يجيء يسوع أولاً (26).

ويقول أرنست رينان: مهما جاءت مفاجئات المستقبل، فلن يُعلَى على يسوع (6).

ويشير توماس كارلايل إلى يسوع بالقول: إنه الرمز السماوي، أعلى مما يستطيع الفكر البشري أن يبلغه. إنه الشخصية اللانهائية التي تتطلَّب الدرس الدائم (6).

ويقول روسو: هل يمكن أن يكون الشخص الذي تقدمه الأناجيل إنساناً؟ يا للحلاوة! يا للخلق الطاهر! ما أعظم الصلاح الآسر في تعاليمه! يا لروعة أقواله! يا لعمق حكمة تعاليمه! يا لحضور ذهنه وبراعة حكمه في إجاباته الرائعة المفحمة! نعم! إن كان سقراط قد عاش ومات كفيلسوف، فإن يسوع المسيح قد عاش ومات كاللّه (2).

ونختم باقتباس قول جونستون روس: هل فكرت في المكانة الخاصة التي احتلها يسوع من جهة جنسه؟ إن النساء والرجال يجدون صعوبة على السواء وهم يحاولون الوصول إلى مثاله.. فكل ما في الرجال من قوة وعدل وحكمة، وكل ما في النساء من رقة وطهر وبصيرة، نراه في المسيح بدون أن يكون ثمة ما يعوق ظهور كل هذه الفضائل المتباينة في شخص واحد .

خامساً - لو أن اللّه صار إنساناً

لكانت كلماته أعظم ما قيل

قال المسيح: اَلسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ تَزُولَانِ، وَل كِنَّ كَلَامِي لَا يَزُولُ (لوقا 21: 33) والناس الذين سمعوا كلامه بُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ، لِأَنَّ كَلَامَهُ كَانَ بِسُلْطَانٍ (لوقا 4: 32). ومن الضباط إلى الحراس نسمع: لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هكَذَا مِثْلَ هذَا الْإِنْسَانِ (يوحنا 7: 46).

وترجع عظمة تعاليم المسيح إلى أنها عالجت، بسلطان ووضوح، أكثر مشاكل الناس إرهاقاً، خصوصاً تلك التي تتصل بعلاقاتهم بالرب.

إن تعاليمه علامات على الطريق، لكل الأجناس والشعوب، لأنه نور العالم. ولنقارن بين المسيح وأفلاطون الذي كان سابقاً للمسيح بنحو 400 سنة، وكان متقدماً على المسيح في الفكر الفلسفي. لكن قارن بين كتاباته في المحاورات وبين الأناجيل. المحاورات مليئة بالأخطاء والسخف المنافي للعقل، وبعبارات لا أخلاقية، مع أنها رغم كل ذلك تعتبر أسمى ما وصل إليه العقل البشري في الروحانية التي لا تساندها الإعلانات السماوية (12).

وتقف عظمة شخصية المسيح خلف عظمة تعاليمه! لم يقتبس أو يعلن تعليم سواه، لكنه أعلن تعاليمه هو. لم يقل: هكذا قال الرب بل قال: الحق الحق أقول لكم وأما أنا فأقول .

ويقول جوزيف باركر: بعد قراءة أفكار أفلاطون وسقراط وأرسطو نرى الفرق بينها وبين تعاليم المسيح، كالفرق بين التساؤلات والوحي المعلَن (22).

ويقول برنارد رام: من جهة الإحصاءات تقف الأناجيل كأعظم ما كُتب، يقرأها أكبر عدد من الناس، ويقتبسها أكبر عدد من المؤلفين، وتُترجم إلى أكثر اللغات، ويصّور أفكارها معظم الفنانين والموسيقيين والرسامين. إنها تُقرأ وتُقتبس وتُترجم وتُحب وتحظى بإيمان الناس بها أكثر، لأنها أعظم الكلمات. وتكمن عظمتها في وضوحها وقدسيتها ودقتها وسلطانها في معالجة مشاكل البشر العظمى التي تجيش بها صدورهم. إنها تجيب على التساؤلات: من هو اللّه؟ هل يحبني؟ هل يهتم بي؟ ماذا أفعل لأرضيه؟ كيف ينظر لخطيتي؟ كيف أجد الغفران؟ إلى أين أذهب بعد الموت، كيف أعامل الآخرين؟ ولا يمكن أن كلمات إنسان آخر تشدّ انتباهنا أكثر من كلمات يسوع، لأنه لا يستطيع إنسان آخر أن يجيب على هذه الأسئلة الجوهرية كما أجاب عنها يسوع، فإجاباته هي الإجابات نفسها التي ننتظر صدورها من اللّه، وهكذا تستريح قلوبنا عليها (26).

لقد صارت تعاليم المسيح قوانين وعقائد èوأمثالاً، وصارت سبب عزاء للملايين دون أن تنتهي أو تزول. فأي معلم بشري ضَمِنَ أن تستمر كلماته للأبد؟ تظهر أنواع من كلام البشر، ثم تزول، وتقوم ممالك وإمبراطوريات ثم تسقط، أما يسوع فسيظل إلى الأبد هو الطريق والحق والحياة . ولم يحدث أن ثورة أثَّرت في أي مجتمع بقدر ما أثَّرت كلمات يسوع.

ولربما نسمع البعض يقولون إن ما قاله يسوع قد قِيل من قبل. ولنفرض أن هذا صحيح (مع أنه ليس صحيحاً).. فلا زالت تعاليم المسيح تجيء في القمة، ففي كل تعليم آخر هناك التوافه ممتزجة بالأشياء الهامة. أما يسوع فقد قدم التعاليم الباقية النافعة الخالدة فقط. وقد عاش كل كلمة قالها بسلوكه وآزرها بأفعاله. وكيف لهذا النجار الذي لم يتلقَّ تعليماً خاصاً، ولم يدرس الثقافة والعلوم الإغريقية، وعاش وسط شعب متزمّت ضيق الأفق... كيف له أن يجمع أعظم تعاليم العالم ويقدمها معاً بدون خطأ ولا عيب، وبدون تعديل أو تصحيح أو نسخ؟ كيف يقف عملاقاً معلماً للأجيال؟!

ويقول جرفث توماس: مع أن يسوع لم يتلقَّ تعليماً لاهوتياً رسمياً من رجال الدين اليهود، لكنه لم يُظهر أي تردّد أو خجل في إعلان ما رأى هو أنه حق! وبدون تفكير في نفسه أو في سامعيه خاطب الجمهور بدون خوف، وبدون حساب للعواقب على نفسه، فقد كان همُّه أن يوصّل رسالته. وقد شعر سامعوه بقوة كلامه (لوقا 4: 32) فأسر سامعيه بقوة شخصيته التي تجلَّت في قوة أقواله، حتى قالوا إنه لم يتكلم قط إنسان مثله (يوحنا 7: 46). لقد ترك عمق حديثه وروعته وبساطته وشموله ونفاذه أعمق الأثر في سامعيه، فأدركوا أنهم أمام معلم لم تَرَ البشرية له نظيراً من قبل، فيقول عنه بولس بعد سنوات عديدة: متذكّرين كلمات الرب يسوع (أعمال 20: 35) ولا يزال هذا هو الحال على مر الأجيال (29).

ويقول الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه حياة المسيح (كتاب الهلال يناير 1958).

الحق أن قدرة السيد المسيح على الردود السريعة والأجوبة المسكتة، لهي دليل آخر إلى جانب أدلة كثيرة على الشخصية التاريخية، والدعوة المتناسقة، لأنها قدرة من وراء طاقة التلاميذ والمستمعين، بل هم يروُونها ولا يفطنون إلى أهم البواعث عليها في سياسة الرسالة المسيحية، فإن هذه الرسالة قائمة على اجتناب التشريع واجتناب التعرُّض له بالإِبطال أو الإِبدال، ووجهتها على الدوام أنها لا تدَّعي سلطة من سلطات الدنيا والدين، وأن مملكة المسيح من غير هذا العالم وليست من ممالك الدو ل والحكومات. وكذلك قال لكُهَّان الهيكل، وكذلك قال لبيلاطس حاكم الرومان، وعلى ذلك جرى أسلوبه في كل أمر وفي كل موعظة. فهو أسلوب الآداب والمثُل العليا وليس بأسلوب النصوص والقوانين.

ويرجع الأمر إلى ضمير يحاسب صاحبه ولا يرجع إلى قاض يفقأ عيناً، أو يدخل في الصدور ليتتبع فيها بواعث الاشتهاء. ولو خلصت هذه المعاني إلى سامعيها جميعاً، كما عناها السيد المسيح، لما ثبتت له كما ثبتت من اختلاف الفهم والتأويل .

سادساً - لو أن اللّه صار إنساناً

لكان تأثيره شاملاً ودائماً

لا تزال شخصية المسيح - بعد ألفي سنة - تترك تأثيرها على البشر، ففي كل يوم يختبر بعض الناس اختبارات ثورية مع يسوع!

ويقول كنث لاتوريت المؤرخ العظيم: الفهم المسيحي للتاريخ لا ينكر التقدم.. وكلما مضت القرون تجمَّعت الأدلة - من تأثير المسيح في التاريخ - على أن يسوع هو أعظم من عاشوا تأثيراً على الناس، ويبدو أن هذا التأثير يتزايد (30).

ويضيف فيليب شاف: بدون مال أو أسلحة هزم يسوع الناصري ملايين أكثر من الاسكندر وقيصر ونابليون. وبدون علوم أفاض نوراً على الأمور الزمنية والأمور السماوية أكثر من كل الفلاسفة والعلماء مجتمعين، وبدون دخول مدرسة بلاغة تحدث بكلمات الحياة كما لم يتحدث أحد من قبل، وأثَّر في سامعيه كما لم يؤثر شاعر أو خطيب، وبدون أن يكتب سطراً واحداً دفع أقلاماً كثيرة لتكتب، وقدَّم أفكار عظات وخطب ومناقشات ومجلدات وأعمال فنية وترانيم وتسابيح أكثر من كل الأبطال والعظماء عبر العصور القديمة والحديثة (6) ويقول مارتن سكوت: إن تأثير يسوع على الناس اليوم قوي كما كان قوياً وقت أن كان على الأرض (9).

لقد صرف على الأرض ثلاث سنوات فيها تتركَّز أعمق معاني التاريخ والدين، ولم تمضِ حياةٌ بمثل هذه السرعة والهدوء والتواضع، ولكنها أثارت اهتمام الفكر الإنساني بصورة شاملة (7).

وعندما ترك يسوع الأرض قال لتلاميذه إنهم سيعملون أعمالاً أعظم من تلك التي عملها هو. وقد حقّقت القرون صدق هذا القول! ولا يزال يسوع يعمل اليوم في عالمنا (أشياء أعجب مما فعل وهو على الأرض)، من خلال أتباعه. فهو يفتدي الناس ويغيّر حياتهم للأفضل، متقدماً بهم إلى كل ما هو حق وجليل وعادل وطاهر لخير البشر في مختلف الميادين.

ولنا كل الحق أن نشير إلى تأثير يسوع العظيم، لا كمسألة في الماضي، بل كأمر يلمس الحياة في كل جوانبها، اليوم è(29).

ويقول وليم ليكي: حضّ الأفلاطونيون الناس على الاقتداء باللّه، وحضّهم الرواقيون على اتّباع العقل، وحضَّهم المسيحيون على حب المسيح. أما الرواقيون المتأخرون فقد جمعوا الصفات الممتازة في حكيم نموذجي. وحض أبكتيتوس تلاميذه أن يتمثّلوا أمامهم شخصاً عظيماً يتخيلونه قريباً منهم. على أن حكيم الرواقيين النموذجي كان شخصاً يحاولون محاكاته، دون أن يتحول إعجابهم به إلى حب. لكن المسيحية وحدها قدمت للعالم الشخصية النموذجية، التي - بالرغم من تغيُّرات ثمانية عشر قرناً - ألهمت قلوب الناس بالحب الصادق، وعملت في كل العصور والأمم والأمزجة والظروف. فهي لم تقدم أسمى نماذج الفضيلة فحسب، بل وأعظم الدوافع على ممارستها.

صرفت هذه الشخصية ثلاث سنوات قصيرة عامرة بالنشاط أثَّرت في تجديد البشر وتهذيبهم أكثر مما فعلت كل بحوث الفلاسفة ومواعظ رجال الأخلاق، وكانت هذه الشخصية هي نبع أفضل ما في الحياة المسيحية. وفي وسط الخطايا والسقطات والشعوذات والاضطهادات والتعصُّبات التي شّوَهت الكنيسة، حفظت في شخص مؤسّسها ومثاله، القوة الدائمة الفعالة في التجديد (23).

إن الآلاف والملايين اليوم. كما في كل العصور، يشهدون لقوة المسيحية ومجدها في معالجتها للخطية والشر. وهذه الحقائق تقف قوية لتُقنع كل من يريد أن يتعلم.. إن إنجيلاً خامساً يُكتب الآن، هو عمل يسوع المسيح في حيوات وقلوب الناس والأمم (29).

وقال نابليون: يسوع وحده نجح في السمو بفكر الناس إلى غير المنظور فوق حدود الزمن والمسافات. إنه يطلب ما يصعب عمله، وما لا تقدر الفلسفة على الوصول إليه، وما يفشل الصديق في الحصول عليه من صديقه، والأب من أولاده، والعريس من عروسه، والرجل من أخيه! إنه يطلب القلب البشري كله بدون قيد ولا شرط ليكون قوة في مملكة المسيح. وكل من يؤمنون به بإخلاص يختبرون حباً فوق الطبيعي له، وهي ظاهرة تفوق خيال البشر. ولا يقدر الزمن بكل تأثيره الهدَّام أن يستنزف قوة هذه المحبة أو يضع حداً لها (2).

لكن: هل تناسب المسيحية كل الناس في كل العصور وكل الشعوب؟ هل تناسب المتعلّم والجاهل؟ هل يستطيع جميع الناس في كل مكان أن يستوعبوا مبادئها؟

الحقيقة أنه حيثما يكون المسيح فهو السيد، يطالب الناس بالتضحية فيضحّون. إن دعوته خالية من التعصّب، تقود الناس إلى كل عمل صالح وعظيم، مهما تضمَّن من تضحية. قال نابليون: طبيعة المسيح مملوءة بالأسرار، لكنها أسرار تقابل احتياجات الناس. ولو رفضْتَ المسيح لصار العالم لغزاً لا يُفهم، ولو آمنت به لوضح لك تاريخ جنسنا البشري بدرجة كافية (22).

ومنذ وقت المسيح لم يقدّم أحد - رغم كل ما بلغه الفكر الإنساني من تقدّم - فكراً واحداً أخلاقياً جديداً للعالم! ولا عجب فإن رسالة المسيح تتميَّز بثلاثة أشياء عظيمة، هي: التوبة والثقة والمحبة، وهذه الثلاثة تجعل الرسالة مناسبة لكل عصر ومكان وعمر. ولقد جذبت المسيحية الملايين من أفضل مفكري الجنس البشري، ولم يمنع تقدّمُها تيارَ تقدّم البشرية (29) وقد ظل شخص مؤسسها العامل المستمر في انتشارها وتقدمها. وكان ولاء أتباعه له وتعبّدهم لشخصه هما العامل القوي في وحدتهم رغم كل الظروف واختلاف الآراء. ولا عجب أن يقول دافيد ستراوس: سيبقى المسيح أعلى نموذج للديانة يمكن أن يصل إليه فكرنا، ولا يمكن أن يصل إنسان إلى التقوى بدون وجود المسيح في قلبه (6).

ويقول وليم تشاننج: إن حكماء التاريخ وأبطاله يخفت ضوؤهم شيئاً فشيئاً، وبمرور الزمن يتصاغر الحيّز الذي يشغلونه من التاريخ. أما يسوع المسيح فليس لمرور الزمن من أثر على اسمه أو أفعاله أو أقواله .

وقال عنه أرنست رينان: يسوع هو أعظم عبقري ديني عاش على الأرض. جماله خالد ومُلْكه لن ينتهي. إنه فريد من كل جهة، ولا يمكن مقارنته بشيء .. وكل التاريخ غير قابل للفهم بدون المسيح (22).

وقال رام: أن يقول النجار الجليلي إنه نور العالم، وأن يبقى هذا القول معتَرفاً به بعد هذه القرون الكثيرة، أمرٌ لا يمكن تفسيره إلا على أساس ألوهيته (26) .

وإليك مقالتين مشهورتين كُتبتا فيه:

المقالة الأولى عنوانها: حياة واحدة فريدة تقول:

هنا رجل وُلد في قرية مغمورة لأم ريفية، ونشأ في قرية أخرى، وعمل في دكان نجار حتى بلغ الثلاثين من العمر، ثم ظل ثلاث سنوات يتجّوَل كارزاً. لم يمتلك في حياته بيتاً، ولم يكتب كتاباً، ولم يشغل وظيفة، ولم يكّوِن أسرة، ولم يدرس في جامعة، ولم يضع قدميه في مدينة كبيرة، ولم يسافر بعيداً عن مسقط رأسه بأكثر من مائتي ميل، ولم يعمل عملاً واحداً من تلك التي تواكب العظمة حسب مألوف العالم، ولم تكن له أوراق اعتماد إلا نفسه! عندما كان شاباً وقف ضده الرأي العام، وهرب أصحابه منه، وأنكره واحد منهم، وأسلمه لأعدائه، فدخل في مهزلة المحاكمة، وسمَّروه على صليب بين لصَّين. وبينما كان يموت قامر جلاّدوه على الشيء الوحيد الذي كان يملكه على الأرض: على ردائه! وعندما مات أنزلوه ليدفنوه في قبر مُستعار قدَّمه صديق له من باب الشفقة!

وقد جاءت تسعة عشر قرناً طويلة ومضت، وهو لا يزال مركز الجنس البشري، وقائد تقدُّمه. إن كل الجيوش التي سارت، وكل الأساطيل التي بُنيت، وكل البرلمانات التي انعقدت، وكل الملوك الذين حكموا، كل هؤلاء مجتمعين معاً، لم يؤثروا في حياة الناس بالقوة التي أثرت بها فيهم هذه الحياة الواحدة الفريدة .

أما المقالة الثانية فعنوانها المسيح الذي لا نظير له وهي تقول:

منذ تسعة عشر قرناً مضت وُلد إنسان على خلاف قوانين الحياة، عاش في فقر ونشأ مغموراً. لم يسافر بعيداً، ولم يعبر حدود البلاد التي وُلد فيها إلا كطفل طريد.

لم يملك ثروة ولا نفوذاً، وكان أهله مغمورين. لم يتلقَّ تعليماً رسمياً ولا تدريباً، غير أنه في طفولته أرعب ملكاً، وفي صبّوته أدهش العلماء، وفي رجولته سيطر على زمام الطبيعة، وسار على الأمواج كأنها طريق معبَّد، وسكَّت البحر فهدأ. شفى الجماهير بدون دواء، ولم يتقاضَ مقابلاً لخدماته.

لم يكتب كتاباً، ولكن كل مكتبات الدولة لا تقدر أن تسع الكتب التي كُتبت عنه، ولم يؤلف ترنيمة، ولكنه أوحى بأفكار الترانيم أكثر مما فعل كل كتّاب الأغاني مجتمعين! ولم يؤسس كلية، لكن كل المدارس مجتمعة معاً ليس بها من التلاميذ مثل ما له.

لم يسيّر جيشاً، ولم يجنّد جندياً، ولم يطلق بندقية، ولكن لم يكن لقائد غيره جنود متطوعون تحت إمرته مثلما له، حتى أن العصاة المتمردين ألقوا بأسلحتهم دون أن يطلقوا طلقة واحدة.

لم يمارس الطب النفسي، ولكنه شفى من القلوب الكسيرة أكثر ممن شفاهم كل الأطباء في كل العالم. وتتوقف عجلة التجارة مرة كل أسبوع لتتمكن الجماهير من أن تجد طريقها لمحال عبادته، لتقدم له الخشوع والإكرام.

لقد ظهرت أسماء رجال الدول المشهورين في اليونان وروما واندثرت، وظهرت أسماء علماء وفلاسفة ولاهوتيين واختفت، ولكن اسم هذا الإنسان في تعاظم مستمر. ومع أنه قد مضت تسعة عشر قرناً منذ صلبه، إلا أنه لا يزال يحيا. لم يستطع هيرودس أن يحطمه، ولم يقدر القبر أن يمسكه!

إنه يقف على أعلى قمة المجد السماوي، بإعلان واضح من اللّه، تعترف به الملائكة، ويتعبد له القديسون، وتخافه الأبالسة، لأن يسوع المسيح الحي هو الربّ والمخلِّص .

سابعاً - لو أن اللّه صار إنساناً

لأشبع جوع الناس الروحي

طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لِأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ (متى 5: 6).

إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ (يوحنا7: 37).

مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الْأَبَدِ (يوحنا 4: 14).

سَلَاماً أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلَامِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لَا تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلَا تَرْهَبْ (يوحنا 14: 27).

أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلَا يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلَا يَعْطَشُ أَبَداً (يوحنا 6: 35).

تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الْأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ (متى 11: 28).

أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ (يوحنا 10: 10).

يقول علماء النفس إن الإنسان يحتاج إلى الاتصال بشيء أكثر من نفسه، والديانات الكبرى شاهدة على احتياج الإنسان، وأهرامات مصر والمكسيك ومعابد الهند نماذج لحاجة الإنسان الروحية. وقد كتب مارك توين عن فراغ الإنسان، قال: من المهد إلى اللحد لا يعمل الإنسان شيئاً إلا بهدف واحد، وهو أن يحصل على سلام العقل وعلى الراحة الروحية . وقال المؤرخ فيشر: هناك صرخة في النفس، لا يجد لها استجابة في العالم . وقال توما الأكويني إن عطش النفس للسعادة لا يهدأ، وهو عطش لا يرويه إلا اللّه وحده! . ويقول برنارد رام: الاختبار المسيحي وحده هو الذي يجعل الإنسان يستمتع بحرية روحه. أما ما هو من دون اللّه فإنه يترك روح الإنسان عطشَى جائعة متعَبة فاشلة وناقصة (26).

ويصف شاف المسيح بالقول: ارتفع فوق أحقاد الطائفية والتعصُّب، وفوق خرافات عصره وأمته، وخاطب قلب الإنسان المكشوف له، ولمس ما هو حي في الضمير (7).

قال أحدهم يصف اختباره الروحي في المسيح: استطاع الإنسان أن يغيّر عالمه بطريقة مذهلة، ولكنه لم يقدر أن يغيّر نفسه. ولما كانت هذه المشكلة في أساسها روحية، ولما كان الإنسان بطبعه ميَّالاً للشر (كما يشهد التاريخ) فإن الطريقة الوحيدة لتغيير الإنسان تجيء من اللّه. وعندما يسلّم الإنسان نفسه ليسوع المسيح، ويُخضِع نفسه لإرشاد الروح القدس، فإنه يتغيَّر. وعلى هذا التغيير المعجزي يتوقف رجاء عالمنا المرتعب من التفجيرات النووية والنشاطات الإشعاعية التي تهدد كل سكانه (31).

وكتب ماتسون، رئيس العلاقات العلمية لمعامل أبوت الطبية يقول: مهما كانت حياتي صعبة كعالِم ورجل أعمال ومواطن وزوج وأب، فإني أرجع إلى النقطة المركزية لألتقي بيسوع الذي يحفظني ويخلصني بقوته (31).

وقال طالب في جامعة بتسبرج: مهما كانت الأفراح والمسرات في اختباراتي الماضية - مجتمعة معاً - فإنها لا تساوي الفرح الخاص والسلام اللذين منحهما لي الرب يسوع المسيح، منذ أن دخل حياتي ليسُودها ويوجّهها .

ويقول الدكتور مكستر أستاذ علم الحيوان في كلية هويتون: إن العالم الذي يتبع النظريات العلمية يفعل ذلك لأنه يؤمن بالبراهين التي وجدها. لقد صرتُ مسيحياً لأني وجدتُ في نفسي حاجة لا يمكن أن يُشبعها غير المسيح. احتجت للغفران فأعطاه لي، واحتجت للصُّحبة فصار هو صديقي، واحتجت للشبع فمنحه لي (31).

ويقول بول جونسون: لقد صنع اللّه فراغاً خاصاً في دواخلنا، على صورته هو، ولن يملأ هذا الفراغ غير اللّه نفسه. ربما تحاول ملئه بالمال أو العائلة أو الغِنى أو القوة أو الشهرة، أو أي شيء آخر، ولكنه لن يمتلئ! لن يملأه غير اللّه! هو وحده الذي يملؤه ويشبعه .

ويقول وولتر هيرن من كلية أوهايو: كثيراً ما يستغرقني نوع من الفلسفة... إن معرفة المسيح هي الحياة ذاتها بالنسبة لي، ولكنها من نوع جديد الحياة الفضلى التي وعد بها .

قال رجل أعمال: طلبت من المسيح أن يأتي إلى حياتي ويسكن فيَّ. ولأول مرة في حياتي أختبر السلام الكامل. لقد انتهت حياة الفراغ التي كنت أحياها إلى غير رجعة، ولم أعُد أشعر مطلقاً بأنني وحيد .

لقد وجد كثيرون السعادة التي نشدوها في يسوع المسيح.

ثامناً - لو أن اللّه صار إنساناً

لكان له سلطان على الموت

لم يكن يسوع مجبراً على الموت، فإنجيل متى 26: 53 ، 54 يوضح أنه كان يملك القوة ليفعل ما يريد. وفي يوحنا 10: 18 نجد الجواب: لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضاً . ومن هذا نرى أن يسوع مات طوعاً عن خطايا الناس.

ويقول جرفث توماس: لم يكن موت المسيح انتحاراً، لكنه كان طواعية. كان علينا نحن أن نتألم، لكن لم يكن عليه هو، وكانت كلمة واحدة منه كافية لتخليص حياته. ولم يكن موته صُدفة، فإنه كان قد سبق أن تنبأ به وجهَّز نفسه له بطرق مختلفة. ولم يكن موته موت مجرم، لأنه لم يتفق اثنان من الشهود في أي اتهام موجَّه ضده، وأعلن بيلاطس الوالي أنه لم يجد فيه علَّة، بل èأن الملك هيرودس لم يجد ما يقوله ضده. فلم يكن موت المسيح إعداماً عادياً (29).

ولم يحدث أن إنساناً في التاريخ كان له السلطان أن يسلّم روحه بإرادته كما فعل المسيح (لوقا 23: 46) فإن لوقا ويوحنا يصفان موت المسيح بما يفيد أن موته كان معجزياً، فقد استودع روحه بين يدي اللّه بعد أن دفع أجرة الخطية بالكامل. لقد حدثت معجزة عند الجلجثة يوم الجمعة، كما حدثت معجزة في البستان صباح أحد القيامة!

ثم كان دَفْن يسوع بعد موته. وتقول قصة الإنجيل: وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ، جَاءَ رَجُلٌ غَنِيٌّ مِنَ الرَّامَةِ اسمُهُ يُوسُفُ - وَكَانَ هُوَ أَيْضاً تِلْمِيذاً لِيَسُوعَ. 58 فَهذَا تَقَدَّمَ إِلَى بِيلَاطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ. فَأَمَرَ بِيلَاطُسُ حِينَئِذٍ أَنْ يُعْطَى الْجَسَدُ (متى 27: 57 ، 58) - وَجَاءَ أَيْضاً نِيقُودِيمُوسُ، الَّذِي أَتَى أَّوَلاً إِلَى يَسُوعَ لَيْلاً، وَهُوَ حَامِلٌ مَزِيجَ مُرٍّ وَعُودٍ نَحْوَ مِئَةِ مَناً (يوحنا 19: 39) - فَا شْتَرَى (يوسف) كَتَّاناً، فَأَنْزَلَهُ وَكَفَّنَهُ بِا لْكَتَّانِ، وَوَضَعَهُ فِي قَبْرٍ كَانَ مَنْحُوتاً فِي صَخْرَةٍ، وَدَحْرَجَ حَجَراً عَلَى بَابِ الْقَبْرِ. وَكَانَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يُوسِي تَنْظُرَانِ أَيْنَ وُضِعَ (مرقس 15: 46 ، 47) - فَرَجَعْنَ وَأَعْدَدْنَ حَنُوطاً وَأَطْيَاباً. وَفِي السَّبْتِ استَرَحْنَ حَسَبَ الْوَصِيَّةِ (لوقا 23: 56) - فَمَضَوْا وَضَبَطُوا الْقَبْرَ بِا لْحُرَّاسِ وَخَتَمُوا الْحَجَرَ (متى 27: 66).

ثم كانت قيامة المسيح!

ويقول وستكوت: ... لا توجد حادثة بأسانيد تاريخية صحيحة عديدة مثل حادثة قيامة المسيح .

ويقول هنري موريس: إنها أهم حوادث التاريخ ومن أثبتها تاريخياً . لقد سبق للمسيح أن تنبأ بموته وقيامته، وفي يوحنا 2: 19 قال: انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ وَفِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ .

ولم يحدث لأحد من البشر أن هزم الموت بنفسه كما فعل المسيح. ولقد قال: أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ,.. إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ (يوحنا 11: 25 ، 14: 19).

ويقول رام: إن قيامة المسيح ضمان لقيامتنا نحن. إن شفاءه للمرضى لا يعني أنه سيشفي كل أمراضنا الآن، وإقامته لعازر من الموت لا تعني خلودنا على الأرض، ولكن قيامة المسيح كباكورة الراقدين، هي وحدها التي تفتح أبواب القبر أمام المؤمن لحياة أبدية، فلأنه قام فسنقوم نحن (رومية 8: 11).

وبعد قيامة المسيح استطاع التلاميذ أن يقيموا الموتى بقوته (أعمال 9: 40 ، 41) .. وهكذا أعطى المسيح الحياة لآخرين بعد موته، وهذا يعني أنه حي (عبرانيين 13: 8) إِنَّ يَسُوعَ هذَا الّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقاً إِلَى السَّمَاءِ (أعمال 1: 11).

لقد هزم المسيح - ابن اللّه الأزلي وفادي البشر الموعود به - الموت!

(سنعالج موضوع القيامة بتفصيل كامل في الفصل الأخير من هذا الكتاب).

الفصل الخامس

نبّوَات عن المسيح

في التوراة تتحقق في المسيح

ارتكن الرسل في العهد الجديد على أمرين يبرهنان أن يسوع هو المسيا، أي المسيح المخلِّص المنتظَر، أولهما قيامته وثانيهما تحقيق نبوات العهد القديم فيه. وقد حوى العهد القديم، الذي كُتب على مدى خمسة عشر قرناً، مئات عديدة من النبوات عن المسيا المخلص الآتي. وقد تحققت هذه النبوات كلها في يسوع، وهذا دليل على صدق رسالته.

أولاً - هدف النبوات عن المسيا المخلّص الآتي:

1 - هدفها الأول أن توضّح أن اللّه هو الإله الحقيقي، صاحب المعرفة الشاملة، والذي لا بد أن تتحقق كلماته.

لَيْسَ اللّهُ إِنْسَاناً فَيَكْذِبَ، وَلَا ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَلْ يَقُولُ وَلَا يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتَكَلَّمُ وَلَا يَفِي؟ (العدد 23: 19).

2 - أما الهدف الثاني فهو أن كل الأشياء خاضعة للإرادة الإلهية.

اُذْكُرُوا الْأَّوَلِيَّاتِ مُنْذُ الْقَدِيمِ لِأَنِّي أَنَا اللّهُ وَلَيْسَ آخَرُ. الْإِلَهُ وَلَيْسَ مِثْلِي. مُخْبِرٌ مُنْذُ الْبَدْءِ بِا لْأَخِيرِ وَمُنْذُ الْقَدِيمِ بِمَا لَمْ يُفْعَلْ، قَائِلاً: رَأْيِي يَقُومُ وَأَفْعَلُ كُلَّ مَسَرَّتِي (إشعياء 46: 9 و10).

3 - أما الهدف الثالث فهو التعريف بالمسيا حين يجيء، لأن فيه تتحقق النبوات:

بِا لْأَّوَلِيَّاتِ مُنْذُ زَمَانٍ أَخْبَرْتُ، وَمِنْ فَمِي خَرَجَتْ وَأَنْبَأْتُ بِهَا. بَغْتَةً صَنَعْتُهَا فَأَتَتْ,,, أَخْبَرْتُكَ مُنْذُ زَمَانٍ. قَبْلَمَا أَتَتْ أَنْبَأْتُكَ، لِئَلَّا تَقُولَ: صَنَمِي قَدْ صَنَعَهَا، وَمَنْحُوتِي وَمَسْبُوكِي أَمَرَ بِهَا (إشعياء 48: 3 ، 5).

الَّذِي سَبَقَ فَوَعَدَ بِهِ بِأَنْبِيَائِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، عَنِ ابْنِهِ. الّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ، وَتَعَيَّنَ ابْنَ اللّهِ بِقُّوَةٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ الْقَدَاسَةِ، بِا لْقِيَامَةِ مِنَ الْأَمْوَاتِ: يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا (رومية 1: 2 - 4).

ثانياً - العهد الجديد يشير إلى النبوات القديمة:

1 - أشار المسيح إلى نبوات العهد القديم بخصوصه في الشواهد التالية:

لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الْأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لِأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ (متى 5: 17).

ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الْأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ (لوقا 24: 27).

وَقَالَ لَهُمْ: هذَا هُوَ الْكَلَامُ الّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ، أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ (لوقا 24: 44).

فَتِّشُوا الْكُتُبَ لِأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الّتِي تَشْهَدُ لِي. وَلَا تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ,.. لِأَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي، لِأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي. فَإِنْ كُنْتُمْ لَسْتُمْ تُصَدِّقُونَ كُتُبَ ذَاكَ، فَكَيْفَ تُصَدِّقُونَ كَلَامِي؟ (يوحنا 5: 39 ، 40 ، 46 ، 47).

فَقَدْ تَمَّتْ فِيهِمْ نُبُّوَةُ إِشَعْيَاءَ,.. (عن الأمثال في متى 13: 14).

فَإِنَّ هذَا هُوَ الّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلَاكِي الّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ (عن يوحنا المعمدان في متى 11: 10)

قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ: الْحَجَرُ الّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الّزَاوِيَةِ. مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا (متى 21: 42).

وَأَمَّا هذَا كُلُّهُ فَقَدْ كَانَ لِكَيْ تُكَمَّلَ كُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ (متى 26: 56).

وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الْإِنْسَانِ آتِياً فِي سَحَابٍ بِقُّوَةٍ كَثِيرَةٍ وَمَجْدٍ، (مرقس 13: 26 مقتبسة من دانيال 7: 13 ، 14).

ثُمَّ طَوَى السِّفْرَ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْخَادِمِ وَجَلَسَ. وَجَمِيعُ الّذِينَ فِي الْمَجْمَعِ كَانَتْ عُيُونُهُمْ شَاخِصَةً إِلَيْهِ. فَا بْتَدَأَ يَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ (لوقا 4: 20 ، 21).

لِأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ فِيَّ أَيْضاً هذَا الْمَكْتُوبُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ. لِأَنَّ مَا هُوَ مِنْ جِهَتِي لَهُ انْقِضَاءٌ (لوقا 22: 37).

ل كِنْ لِكَيْ تَتِمَّ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ فِي نَامُوسِهِمْ: إِنَّهُمْ أَبْغَضُونِي بِلَا سَبَبٍ (يوحنا 15: 25).

2 - وقد أشار الرسل إلى هذه النبّوَات في الشواهد التالية:

وَأَمَّا اللّهُ فَمَا سَبَقَ وَأَنْبَأَ بِهِ بِأَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ، أَنْ يَتَأَلَّمَ الْمَسِيحُ قَدْ تَمَّمَهُ هكَذَا (أعمال 3: 18).

لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَنَالُ بِاسْمِهِ غُفْرَانَ الْخَطَايَا (أعمال 10: 43).

وَلَمَّا تَمَّمُوا كُلَّ مَا كُتِبَ عَنْهُ، أَنْزَلُوهُ عَنِ الْخَشَبَةِ وَوَضَعُوهُ فِي قَبْرٍ. وَل كِنَّ اللّهَ أَقَامَهُ مِنَ الْأَمْوَاتِ (أعمال 13: 29 و30).

فَدَخَلَ بُولُسُ إِلَيْهِمْ حَسَبَ عَادَتِهِ، وَكَانَ يُحَاجُّهُمْ ثَلَاثَةَ سُبُوتٍ مِنَ الْكُتُبِ، مُوَضِّحاً وَمُبَيِّناً أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الْأَمْوَاتِ، وَأَنَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ يَسُوعُ الّذِي أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ (أعمال 17: 2 ، 3).

فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الْأَّوَلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضاً: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ (1 كورنثوس 15: 3 ، 4).

الَّذِي سَبَقَ فَوَعَدَ بِهِ بِأَنْبِيَائِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ (رومية 1: 2).

لِذ لِكَ يُتَضَمَّنُ أَيْضاً فِي الْكِتَابِ: هَئَنَذَا أَضَعُ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرَ زَاوِيَةٍ مُخْتَاراً كَرِيماً، وَالذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَنْ يُخْزَى (1 بطرس 2: 6).

فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْبِ، وَسَأَلَهُمْ: أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟ فَقَالُوا لَهُ: فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، لِأَنَّهُ هكَذَا مَكْتُوبٌ بِا لنَّبِيِّ: وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لِأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ (متى 2: 4 - 6).

3 - وقد تحقّقت في المسيح كل الأعياد الكهنوتية اليهودية (جاء ذكر هذه الأعياد في سفر اللاويين أصحاح 23).

(العيد) تحقيقه في المسيح

الفصح (أبريل نيسان) موت المسيح (1 كورنثوس 5: 7).

الفطير (أبريل) الحياة المقدسة (1 كورنثوس 5: 8).

الباكورة (أبريل) القيامة (1 كورنثوس 15: 23).

الخمسين (يونيو - حزيران) حلول الروح القدس (أعمال 1: 5 ، 2: 4).

الأبواق (سبتمبر - أيلول) جمع إسرائيل (متى 24: 31).

الكفارة (سبتمبر) التطهير بالمسيح (رومية 11: 26).

المظال (سبتمبر) الراحة والثبوت في المسيح (زكريا 14: 16-18).

وتحقيق هذه النبوات يدلّ على:

1 - هناك فكر إلهي واحد من وراء العهدين القديم والجديد.

2 - إثبات حقيقة اللّه.

3 - صحة ألوهية المسيح.

4 - صحة وحي الكتاب المقدس.

ونحن نجد في العهد القديم نحو 300 نبّوة عن المسيح، تحقّقت كلها فيه. وقد يوجّه أحدهم إلينا اعتراضاً بأن هذه النبوات كُتبت في زمن المسيح أو بعده بقليل، وهكذا تبدو لنا اليوم أنها حقيقة!

ولكن هذا القول مردود بأن آخر أسفار العهد القديم كُتب قبل المسيح ب 450 سنة، كما أن ترجمة العهد القديم لليونانية (المعروفة بالسبعينية) أُكملت في عهد بطليموس فيلادلفوس (285 - 246 ق. م). وإن كانت الترجمة قد تمَّت عام 250 ق.م، فلا بد أن الأصل كان موجوداً من قبل ذلك! ويكفي هذا دليلاً على أن النبوات عن المسيح èكُتبت قبل مولده بمئتين وخمسين سنة على الأقل، وقد تحققت جميعها فيه.

ثالثاً - شهادات بأن المسيح هو المسيا الذي تحققت فيه النبوات:

1 - من نسل المرأة

النبوة

التحقيق

وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ (الحديث للحية) وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ . (تكوين 3: 15).

 

وَل كِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الّزَمَانِ، أَرْسَلَ اللّهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ (غلاطية 4: 4 ، أنظر متى 1: 20).

ويقدم ترجوم يهودي تكوين 3: 15 هكذا: وأضع عداوة بينكِ وبين المرأة، وبين ابنك وابنها. سيذكر ما فعلته معه منذ البدء، وأنتِ ستراقبينه حتى النهاية (عن ترجوم أونكيلوس).

ويقدم الترجوم المنسوب ليوناثان تكوين 3: 15 هكذا: وأضع عداوة بينكِ وبين المرأة، وبين نسلكِ ونسلها. وعندما يحفظ نسل المرأة وصايا الناموس فإنهم يصّوبون نحوك تصويباً صحيحاً، ويضربونك على رأسك. ولكن عندما يتركون وصايا الناموس فإنكِ تصّوبين نحوهم تصويباً صحيحاً وتجرحين عقبهم. لكن هناك علاجاً لهم، أما لكِ أنت فلا علاج. وفي المستقبل يصنعون سلاماً مع العقب، في أيام الملك المسيح .

ويقول دافيد كوبر: في تكوين 3: 15 أّول نبّوة عن مخلّص العالم الذي يُدعى نسل المرأة . فهنا نبّوة عن الصراع الطويل بين نسل المرأة وبين نسل الحية، والذي سيفوز فيه نسل المرأة. وهذا الوعد القديم يدلّ على الصراع بين مسيح إسرائيل مخلّص العالم، من جانب، وبين الشيطان عدو النفس البشرية من جانب آخر. وهو يتنبأ بالانتصار الكامل للمسيا. ويعتقد بعض المفسرين أن حواء أدركت تحقيق هذا الوعد في التكوين 4: 1 عندما قالت عن قايين ابنها البكر: اقتنيت رجلاً من عند الرب . لقد أدركت أن اللّه وعدها بالخلاص في نسلها، لكنها أخطأت عندما ظنت أن قايين هو ذلك المخلّص. وكلام حواء في اللغة العبرية يحتمل معنى: اقتنيتُ رجلاً هو الرب ، وكأن حواء كانت تتوقّع أن المخلّص هو الرب (32).

2 - مولوداً من عذراء

النبوة

التحقيق

وَلَكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسمَهُ عِمَّانُوئِيلَ (إشعياء 7: 14).

و وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَيُوسُفُ,,, لَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ. وَدَعَا اسمَهُ يَسُوعَ (متى 1: 18 ، 24 و25 - أنظر لوقا 1: 26 - 35).

وهناك كلمتان في العبريةُ تترجمان عذراء .

1 - بتولاه عذراء لم تتزوج، وردت الكلمة في التكوين 24: 16 ، اللاويين 21: 13 ، التثنية 22: 14 و 23 و 28 ، القضاة 11: 37 ، 1 ملوك 1: 2.

2 - علماه فتاة في عمر الزواج، وهي الكلمة المستعملة في إشعياء 7: 14. ولم يستخدم الروح القدس على فم إشعياء كلمة بتولاه لأنه كان يجب استخدام كلمة تجمع بين معنى العذراوية والعمر المناسبة للزواج، لتنطبق على الواقع التاريخي المباشر والمرمى النبوي الذي يركّز على ولادة المسيا من عذراء.

أما كلمة عذراء في اليونانية فهي كلمة بارثينوس وهي تعني: عذراء - عذراء في عمر الزواج - عذراء طاهرة (متى 1: 23 ، 25: 1 و 7 و 11 ، لوقا 1: 27 ، أعمال 21: 9 ، 1 كورنثوس 7: 25 و28 و33 ، 2 كورنثوس 11: 2).

وقد ترجم مترجمو السبعينية كلمة علماه العبرية إلى بارثينوس اليونانية، فقد كان إشعياء 7: 14 في مفهومهم يتحدث عن أن المسيا سيُولد من عذراء.

3 - ابن اللّه

النبوة

التحقيق

إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ. قَالَ لِي: أَنْتَ ابْنِي. أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ (مزمور 2: 7 - أنظر 1 أخبار 17: 11 - 14 ، 2 صموئيل 7: 12 - 16).

وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلاً: هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الّذِي بِهِ سُرِرْتُ (متى 3: 17 - أنظر متى 16: 16 ، مرقس 9: 7 ، لوقا 9: 35 ، 22: 70 ، أعمال 13: 30 - 33 ، يوحنا 1: 34 ، 49).

في مرقس 3: 11 تحقَّقت الشياطين أنه ابن اللّه.

في متى 26: 63 تحقَّق رئيس الكهنة أنه ابن اللّه.

يقول هستنبرج في كتابه: المسيا في العهد القديم : من الحقائق الثابتة التي لا شك فيها والتي يقرّ بها الجميع بلا استثناء، أن اليهود الأقدمين كانوا جميعاً يعتبرون المزمور الثاني نبّوة عن المسيا فقد أدخل الابن البكر إلى العالم عند التجسُّد (عبرانيين 1: 6) ولكنه أعلن أنه ابن اللّه الوحيد بقيامته من بين الأموات. ويعبّر بولس عن هذا بقوله: الذي صار من نسل داود حسب الجسد وتعينَّ ابن اللّه بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات (رومية 1: 4).

4 - ابن إبراهيم

النبوة

التحقيق

وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الْأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي (تكوين 22: 18 - أنظر تكوين 12: 2 و 3).

كِتَابُ مِيلَادِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ (متى 1: 1).

 

 

وَأَمَّا الْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ . لَا يَقُولُ وَفِي الْأَنْسَالِ كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ. وَ فِي نَسْلِكَ الّذِي هُوَ الْمَسِيحُ (غلاطية 3: 16).

تتَّضح أهمية الأحداث التي وردت في تكوين 22: 18 من أن اللّه يُقسِم بنفسه هنا للمرة الوحيدة في علاقته بالآباء. ويقول متى هنري تفسيراً لهذه الآية: في نسلك، أي شخصٍ بالذات من ذريتك، لأنه لا يتكلم عن كثيرين. (بل عن واحد كما يقول الرسول) وفي هذا الواحد تتبارك كل أمم الأرض (أو يتبركون به. راجع إشعياء 65: 16).

وهذه النبّوة تحدد أن المسيا المخلّص الآتي سيجيء من الجنس اليهودي.

5 - ابن إسحق

النبوة

التحقيق

فَقَالَ اللّهُ لِإِبْرَاهِيمَ,, لِأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ (تكوين 21: 12).

يسوع.. ابن إسحق (لوقا 3: 23 ، 34 - أنظر متى 1: 2).

كان لإبراهيم ابنان: إسحق وإسمعيل. وهنا يستبعد اللّه نصف نسل إبراهيم.

6 - ابن يعقوب

النبوة

التحقيق

يَبْرُزُ كَوْكَبٌ مِنْ يَعْقُوبَ، وَيَقُومُ قَضِيبٌ مِنْ إِسْرَائِيلَ (العدد 24: 17 أنظر تكوين 35: 10 - 12).

يسوع... ابن يعقوب (لوقا 3: 23 ، 34 - أنظر متى 1: 2 ولوقا 1: 33).

يقدم ترجوم يوناثان ترجمة لتكوين 35: 11 ، 12 تقول: فقال له الرب: أنا اللّه القدير. أثمر وأكثر. شعب مقدس وجماعة أنبياء وكهنة سيخرجون من صُلبك، كما يخرج من صُلبك ملكان. والأرض التي أعطيتُها لإبراهيم وإسحق لك أعطيها، ولنسلك من بعدك أعطي الأرض .

ويقدم ترجوم أونكيلوس العدد 24: 17 هكذا: يبرز ملك من يعقوب، ويقوم المسيح من إسرائيل .

ومن هاتين الترجمتين يتَّضح أن اليهود رأوا أن هذه النبوة تشير إلى المسيا. وقد ثار اليهود على عهد الإمبراطور هادريان (132 م) ضد الاستعمار الروماني بقيادة باركوخبا، وأطلقوا عليه لقب ابن الكوكب لأنهم ظنوا أن نبوة بلعام في العدد 24: 17 تحققت في زعيم الثورة باركوخبا الذي سيخلّصهم من الاستعمار الروماني! واعتقد اليهود أن المسيا الآتي هو داود الثاني، لأنهم رأوا في انتصارات داود الزمنية صورة للمسيح وانتصاراته الروحية والتي يشير إليها النبي هنا (حسب هذا التفسير):

وقد ولد إسحق ابنين هما يعقوب وعيسو. وهنا يستبعد اللّه نصف نسل إسحق.

7 - من سبط يهوذا

النبوة

التحقيق

لَا يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ (تكوين 49: 10 أنظر أيضاً ميخا 5: 2).

يسوع... ابن يهوذا (لوقا 3: 23 ، 33 - أنظر أيضاً متى 1: 2 ، عبرانيين 7: 14).

يقدم ترجوم يوناثان تكوين 49: 10 و 11 هكذا: لن ينقطع الملوك والحكام من عائلة يهوذا، ولا معلمو الشريعة من نسله، حتى يجيء الملك المسيا أصغر أبنائه، وبمعونته يجتمع الناس معاً. ما أعظم الملك المسيا الآتي من نسل يهوذا .

كان ليعقوب إثنا عشر ابناً، صار كل واحد منهم سبطاً في الأمة العبرانية. وقد استبعد اللّه منهم أحد عشر سبطاً!

8 - من عائلة يسى

النبوة

التحقيق

وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ (إشعياء 11: 1 و 10 ، أنظر أيضاً ميخا 5: 2).

يسوع... ابن يهوذا (لوقا 3: 23 و 32 - أنظر متى 1: 6).

والقول من جذع يسى يعني أنه من بقية النسل الملكي الذي اندثر، فيقوم غصن صغير يحل محل الجذع ويحمل التاج. ويبدو الغصن في أول أمره ضعيفاً، والجذع واهناً، لكنه ينمو ويتقوى. هكذا ظهر يسوع محتقراً ضعيفاً، من الناصرة، لكنه صار المخلّص العظيم.

9 - من بيت داود

النبوة

التحقيق

وَأُقِيمُ لِدَاوُدَ غُصْنَ بِرٍّ، فَيَمْلِكُ مَلِكٌ وَيَنْجَحُ، وَيُجْرِي حَقّاً وَعَدْلاً فِي الْأَرْضِ (إرميا 23: 5 - أنظر 2 صموئيل 7: 12 - 16 ، مزمور 132: 11).

يسوع... ابن داود (لوقا 3: 23 و31 - أنظر متى 1: 1 ، 9: 27 ، 15: 22 ، 20: 30 و31 ، 21: 9 ، 15 ، 22: 41 - 46 ، مرقس 9: 10 ، 10: 47 و48 ، لوقا 18: 38 و39 ، أعمال 13: 22 و23 رؤيا 22: 16).

في 2 صموئيل 7: 11 يوضح ناثان النبي أن الوعد ليس لداود نفسه بل لنسله، وأن داود لن يبني بيت الرب، لكن الرب هو الذي سيبني بيت (عائلة) داود.

وقد قال العالم اليهودي ميمونيدس إن المسيا الآتي سيكون شخصاً قابلاً للموت، لكنه يختلف عن باقي الناس في أنه سيكون أكثر حكمة وقوة وبهاء من البشر، وإنه يكون من نسل داود، يهتم مثله بدراسة التوراة وحفظ الشريعة (33).

كان ليسى ثمانية أبناء على الأقل (1 صموئيل 16: 10 و 11) وقد استبعد اللّه سبعة منهم، واختار داود.

10 - يُولد في بيت لحم

النبوة

التحقيق

أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمَِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطاً عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ مُنْذُ أَيَّامِ الْأَزَلِ (ميخا 5: 2).

وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ (متى 2: 1 - أنظر يوحنا 7: 42 ، متى 2: 4 - 8 ، لوقا 2: 4 - 7).

في متى 2: 6 ، أفاد كتبة اليهود هيرودس أن ولادة يسوع تكون في بيت لحم، وهم متأكدون. فقد كان اليهود يعلمون أن المسيا سيُولد هناك (يوحنا 7: 42) وكانوا يعلمون أن بيت لحم (ومعناها بيت الخبز) ستكون مكان ميلاد المسيح خبز الحياة.

وها هو اللّه يستبعد كل مدن العالم إلا واحدة لتكون مكان دخول ابنه الوحيد إلى العالم.

11 - يقدمون له الهدايا

النبوة

التحقيق

مُلُوكُ تَرْشِيشَ وَالْجَزَائِرِ يُرْسِلُونَ تَقْدِمَةً. مُلُوكُ شَبَا وَسَبَأٍ يُقَدِّمُونَ هَدِيَّةً (مزمور 72: 10 - أنظر إشعياء 60: 6).

... مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ... فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ، ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا,.. (متى 2: 1 و 11).

الحديث المباشر عن هذه الهدايا أنها لسليمان، لكن من مزمور 72: 12 - 15 يتضح أن النبّوة عن المسيا. وقد سكن أهل سبأ وشبا في العربية، التي تُدعى في الكتاب أرض المشرق (تكوين 25: 6). وتسمَّى العرب بنو المشرق (قضاة 6: 3). وقد جاء المجوس من المشرق بهدايا من نتاج بلادهم.

12 - الملك هيرودس يقتل الأطفال

النبوة

التحقيق

هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: صَوْتٌ سُمِعَ فِي الرَّامَةِ، نَوْحٌ بُكَاءٌ مُرٌّ. رَاحِيلُ تَبْكِي عَلَى أَوْلَادِهَا وَتَأْبَى أَنْ تَتَعَّزَى عَنْ أَوْلَادِهَا لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ (إرميا 31: 15).

لَمَّا رَأَى هِيرُودُسُ أَنَّ الْمَجُوسَ سَخِرُوا بِهِ غَضِبَ جِدّاً، فَأَرْسَلَ وَقَتَلَ جَمِيعَ الصِّبْيَانِ الّذِينَ فِي بَيْتِ لَحْمٍ وَفِي كُلِّ تُخُومِهَا، مِنِ ابْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونُ، بِحَسَبِ الّزَمَانِ الّذِي تَحَقَّقَهُ مِنَ الْمَجُوسِ (متى 2: 16).

يتكلم إرميا عن أحزان السبي (إرميا 31: 17 ، 18)، فما صلة هذا بقتل هيرودس لأطفال بيت لحم؟ ترى هل أخطأ متى فَهْم ما قصده إرميا؟ أم أن قتل الأطفال يشبه قتل أبرياء يهوذا وإسرائيل؟

كلا بكل يقين! إن الحديث في أرميا 30: 20 إلى 33: 26 حديث نبوي عن المسيا. وتتحدث الأصحاحات الأربعة عن اقتراب خلاص الرب، وعن مجيء المسيا الذي سيقيم مملكة داود على عهد جديد أساسه مغفرة الخطايا (31: 31 - 34). وفي هذه المملكة سيجد كلٍ حزين تعزيته (أعداد 12 - 14 و 25). وكنموذج لهذا يعطي اللّه تعزيةً للأمهات اللاتي فقدن أطفالهن لأجل المسيح.

13 - وجود المسيح الأزلي

النبوة

التحقيق

أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمَِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطاً عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ مُنْذُ أَيَّامِ الْأَزَلِ (ميخا 5: 2 - أنظر إشعياء 9: 6 و 7 ، 41: 4 ، 44: 6 ، 48: 12 ، مزمور 102: 25 ، أمثال 8: 22 ، 23).

اَلَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ (كولوسي 1: 17 - أنظر يوحنا 1: 1 ، 2 ، 8: 58 ، 17: 5 ، 24 ، رؤيا 1: 17 ، 2: 8 ، 22: 13).

ويقول هستنبرج عن ميخا 5: 2 هنا نجد تأكيداً بأن المسيح كائن منذ الأزل - قبل مولده الزمني في بيت لحم - فهو الأزلي الأبدي .

14 - يدعى رباً

النبوة

التحقي

قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ (مزمور 110: 1 - أنظر إرميا 23: 6).

وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ (لوقا 2: 11) وَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ يَقُولُونَ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ، وَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَقُولُ فِي كِتَابِ الْمَزَامِيرِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ. فَإِذاً دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبّاً. فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟ (لوقا 20: 41 - 44).

في مدراش تهليم عن المزامير (200 - 500 م)، نقرأ في تفسير لمزمور 21: 1 اللّه يدعو الملك المسيا باسمه هو. لكن ما هو اسمه؟ الإجابة: الرب (يهوه) رجل الحرب (خروج 15: 3).

ونقرأ في أرميا 23: 6 وهذا هو اسمه الذي يدعونه به: الرب (يهوه)...

ونحن نلاحظ أن داود يدعو المسيا (رباً) وليس ربه هو فقط، فالمسيا رب العالمين.

15 - هو عمانوئيل (اللّه معنا)

النبوة

التحقيق

َلَكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسمَهُ عِمَّانُوئِيلَ (إشعياء 7: 14).

هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً، وَيَدْعُونَ اسمَهُ عِمَّانُوئِيلَ (ا لَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللّ هُ مَعَنَا (متى 1: 23 - أنظر لوقا 7: 16).

ويقول دليتش، تعليقاً على إشعياء 7: 14 ، إن إيل الموجودة في آخر الاسم عمانوئيل هو اسم اللّه، كما يورده إشعياء في نبواته. والنبي واع تماماً بالتناقض بين إيل وبين آدم كما في إصحاح 31: 3 (قارن هوشع 11: 9).

16 - سيكون نبياً

النبوة

التحقيق

أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيّاً مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ (التثنية 18: 18).

فَقَالَتِ الْجُمُوعُ: هذَا يَسُوعُ النَّبِيُّ الّذِي مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ (متى 21: 11 - أنظر لوقا 7: 16 ، يوحنا 4: 19 ، 6: 14 ، 7: 40).

قال ميمونيدس عالم الدين اليهودي: سيكون المسيا نبياً عظيماً أعظم من كل الأنبياء باستثناء معلّمنا موسى، وسيكون أعظم مكانة وشرفاً منهم جميعاً، إلا موسى. وسيختصّه اللّه الخالق بمميّزات لم يختص بها موسى، لأنه قيل عنه وَلَذَّتُهُ تَكُونُ فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ، فَلَا يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ، وَلَا يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ (إشعياء 11: 3).

ولقد كان المسيح مثل موسى:

1 - نجا من موت قاسٍ في طفولته.

2 - قبوله أن يكون مخلصاً لشعبه (خروج 3: 10).

3 - عمل وسيطاً بين يهوه وشعبه (خروج 19: 16 ، 20: 18).

4 - شفع في الخطاة (خروج 32: 7 - 14 و 33 ، العدد 14: 11 - 20).

وقالت السامرية للمسيح: يا سيد أرى أنك نبي (يوحنا 4: 19). وقد كان اليهود يتوقعون أن يكون المسيا نبياً كموسى (كما جاء التثنية 18) كما كانوا يتوقعون أن يكون صانع معجزات. لِأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا (يوحنا 1: 17).

17 - كاهن

النبوة

التحقيق

أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ: أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الْأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ (مزمور 110: 4).

لَاحِظُوا رَسُولَ اعْتِرَافِنَا وَرَئِيسَ كَهَنَتِهِ الْمَسِيحَ يَسُوعَ (عبرانيين 3: 1).

 

كَذ لِكَ الْمَسِيحُ أَيْضاً لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ، بَلِ الّذِي قَالَ لَهُ: أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ . كَمَا يَقُولُ أَيْضاً فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الْأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ (عبرانيين 5: 5 و 6).

لم يكن كهنوت هرون في العهد القديم بقَسَم من اللّه، لكن كهنوت المسيا المخلص الآتي، بقَسَم لا رجوع فيه شِبْهِ مَلْكِي صَادِقَ,,, لَيْسَ بِحَسَبِ نَامُوسِ وَصِيَّةٍ جَسَدِيَّةٍ، بَلْ بِحَسَبِ قُّوَةِ حَيَاةٍ لَا تَزُولُ (عبرانيين 7: 15 و16). وفي هذا الوعد بقسَم من اللّه الآب للّه الابن ما يريح قلوب أولاد اللّه. ولقد حاول الملك عزيا أن يقوم بعمل الكاهن، فعاقبه اللّه، مما يثبت أن داود لا يمكن أن يكون الملك الكاهن (2 أخبار 26: 16 - 21). وقسَم اللّه يبيّن أن الملك الكاهن لا مثيل له، فإن داود مات، لكن هذا الكاهن على رتبة ملكي صادق حي إلى الأبد. ويصف زكريا 6: 9 - 15 المسيا بالقول: يجلس ويتسلَّط على كرسيّه، ويكون كاهناً على كرسيه .

18 - قاض

النبوة

التحقيق

فَإِنَّ الرَّبَّ قَاضِينَا. الرَّبُّ شَارِعُنَا. الرَّبُّ مَلِكُنَا هُوَ يُخَلِّصُنَا (إشعياء 33: 22).

كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لِأَنِّي لَا أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الْآبِ الّذِي أَرْسَلَنِي (يوحنا 5: 30 - أنظر 2 تيموثاوس 4: 1).

يقول الترجوم: فإن الرب قاضينا الذي أخرجنا من مصر بقوته. الرب معلمنا الذي أعطانا تعليمات شريعته في سيناء. الرب ملكنا الذي يخلصنا وينتقم لنا من أعدائنا جوج .

وقد اعتقد اليهود أنه القاضي.. معطي الشريعة.. الملك. وحُكْم اللّه (الثيوقراطية) المثالي يتحقق في عهد المسيا وحده، الذي سيمارس بنفسه كالملك السلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية (أصحاحات 11: 4 ، 32: 1).

19 - الملك

النبوة

التحقيق

أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي (مزمور 2: 6 - أنظر زكريا 9: 9 ، إرميا 23: 5).

وَجَعَلُوا فَوْقَ رَأْسِهِ عِلَّتَهُ مَكْتُوبَةً: هذَا هُوَ يَسُوعُ مَلِكُ الْيَهُودِ (متى 27: 37 - أنظر متى 21: 5 ، يوحنا 18: 33 - 38).

20 - مسحة خاصة من الروح القدس

النبوة

التحقيق

وَيَحِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُّوَةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ (إشعياء 11: 2 أنظر مزمور 45: 7 ، إشعياء 42: 1 ، 61: 1 و 2).

فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ اللّهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِياً عَلَيْهِ، وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلاً: هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الّذِي بِهِ سُرِرْتُ (متى 3: 16 و17 - أنظر متى 12: 17 - 21 ، مرقس 1: 10 و11 لوقا 4: 15 - 21 و43 ، يوحنا 1: 32).

21 - غيرته للرب

النبوة

التحقيق

لِأَنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي، وَتَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ (مزمور 69: 9).

فَصَنَعَ سَوْطاً مِنْ حِبَالٍ وَطَرَدَ الْجَمِيعَ مِنَ الْهَيْكَلِ,,,وَقَالَ ل: ارْفَعُوا هذِهِ مِنْ ه هُنَا. لَا تَجْعَلُوا بَيْتَ أَبِي بَيْتَ تِجَارَةٍ (يوحنا 2: 15 - 17).

في العدد السابع من المزمور 69 يقول: لأني من أجلك . لقد امتلأ المسيح غيرة ضد الفساد الذي في الهيكل، فطرد الباعة. وقد أثار هذا غضب المسؤولين عن الفساد، فوقعت تعييراتهم الموجَّهة إلى اللّه عليه.

(أنظر أيضاً المزمور 119: 139).

22 - يسبقه رسول

النبوة

التحقيق

صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَّوِمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلاً لِإِلَهِنَا (إشعياء 40: 3 - أنظر ملاخي 3: 1).

جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ يَكْرِزُ فِي بَرِّيَّةِ الْيَهُودِيَّةِ قَائِلاً: تُوبُوا، لِأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ (متى 3: 1 و2 - أنظر متى 3: 3 ، 11: 10 ، يوحنا 1: 23 ، لوقا 1: 17).

23 - تبدأ خدمته في الجليل

النبوة

التحقيق

وَلَكِنْ لَا يَكُونُ ظَلَامٌ لِلَّتِي عَلَيْهَا ضِيقٌ. كَمَا أَهَانَ الّزَمَانُ الْأَّوَلُ أَرْضَ زَبُولُونَ وَأَرْضَ نَفْتَالِي، يُكْرِمُ الْأَخِيرُ طَرِيقَ الْبَحْرِ عَبْرَ الْأُرْدُنِّ جَلِيلَ الْأُمَمِ (إشعياء 9: 1).

وَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ أَنَّ يُوحَنَّا أُسْلِمَ، انْصَرَفَ إِلَى الْجَلِيلِ. وَتَرَكَ النَّاصِرَةَ وَأَتَى فَسَكَنَ فِي كَفْرِنَاحُومَ الّتِي عِنْدَ الْبَحْرِ فِي تُخُومِ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيمَ,,, مِنْ ذ لِكَ الّزَمَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ : تُوبُوا لِأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ (متى 4: 12 و13 و17).

24 - خدمته خدمة معجزات

النبوة

التحقيق

حِينَئِذٍ تَتَفَتَّحُ عُيُونُ الْعُمْيِ، وَآذَانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّحُ. حِينَئِذٍ يَقْفِزُ الْأَعْرَجُ كَا لْإِيَّلِ وَيَتَرَنَّمُ لِسَانُ الْأَخْرَسِ (إشعياء 35: 5 و6 - أنظر إشعياء 32: 3 ، 4).

وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ الْمُدُنَ كُلَّهَا وَالْقُرَى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ فِي الشَّعْبِ (متى 9: 35 ، أنظر متى 9: 32 و33 ، 11: 4 - 6 ، مرقس 7: 33 - 35 ، يوحنا 5: 5 - 9 ، 9: 6 - 11 ، 11: 43 و44 و47).

25 - يعلّم بأمثال

النبوة

التحقيق

أَفْتَحُ بِمَثَلٍ فَمِي. أُذِيعُ أَلْغَازاً مُنْذُ الْقِدَمِ (مزمور 78: 2).

هذَا كُلُّهُ كَلَّمَ بِهِ يَسُوعُ الْجُمُوعَ بِأَمْثَالٍ، وَبِدُونِ مَثَلٍ لَمْ يَكُنْ يُكَلِّمُهُمْ... (متى 13: 34).

26 - كان يجب أن يدخل الهيكل

النبوة

التحقيق

. وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الّذِي تَطْلُبُونَهُ (ملاخي 3: 1).

وَدَخَلَ يَسُوعُ إِلَى هَيْكَلِ اللّهِ وَأَخْرَجَ جَمِيعَ الّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ (متى 21: 12).

27 - يدخل أورشليم راكباً حماراً

النبوة

التحقيق

اِبْتَهِجِي جِدّاً يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ، اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ، وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ (زكريا 9: 9).

وَأَتَيَا بِهِ إِلَى يَسُوعَ، وَطَرَحَا ثِيَابَهُمَا عَلَى الْجَحْشِ وَأَرْكَبَا يَسُوعَ. وَفِيمَا هُوَ سَائِرٌ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ . (لوقا 19: 35 - 36 - أنظر متى 21: 6 - 11).

28 - حجر عثرة لليهود

النبوة

التحقيق

الْحَجَرُ الّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الّزَاوِيَةِ (مزمور 118: 22 - أنظر إشعياء 8: 14 ، 28: 16).

فَلَكُمْ أَنْتُمُ الّذِينَ تُؤْمِنُونَ الْكَرَامَةُ، وَأَمَّا لِلَّذِينَ لَا يُطِيعُونَ فَا لْحَجَرُ الّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الّزَاوِيَةِ (1 بطرس 2: 7 - أنظر رومية 9: 32 و33).

29 - نور للأمم

النبوة

التحقيق

فَتَسِيرُ الْأُمَمُ فِي نُورِكِ، وَالْمُلُوكُ فِي ضِيَاءِ إِشْرَاقِكِ (إشعياء 60: 3 - أنظر إشعياء 49: 6).

لِأَنْ هكَذَا أَوْصَانَا الرَّبُّ: قَدْ أَقَمْتُكَ نُوراً لِلْأُمَمِ، لِتَكُونَ أَنْتَ خَلَاصاً إِلَى أَقْصَى الْأَرْضِ . 48 فَلَمَّا سَمِعَ الْأُمَمُ ذ لِكَ كَانُوا يَفْرَحُونَ وَيُمَجِّدُونَ كَلِمَةَ الرَّبِّ (أعمال 13: 47 و48 - أنظر أعمال 26: 23 ، 28: 28).

30 - القيامة

النبوة

التحقيق

لِأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَاداً (مزمور 16: 10 - أنظر مزمور 30: 3 ، 41: 10 ، 118: 17 ، هوشع 6: 2).

سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَلَا رَأَى جَسَدُهُ فَسَاداً (أعمال 2: 31 - أنظر أعمال 13: 33 ، لوقا 24: 46 ، مرقس 16: 6 ، متى 28: 6).

يقول التلمود البابلي: لكل إسرائيل نصيب في العالم الآتي، لأنه مكتوب: شعبكِ كلهم أبرار. إلى الأبد يرثون الأرض، غصن غرسي عمل يديَّ لأتمجد . ولكن لا نصيب لمن يعتقد أن القيامة ليست تعليماً كتابياً، أو أن التوراة غير موحى بها من اللّه.

31 - الصعود

النبوة

التحقيق

صَعِدْتَ إِلَى الْعَلَاءِ (مزمور 68: 18).

ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ (أعمال 1: 9).

32 - الجلوس عن يمين اللّه

النبوة

التحقيق

قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ (مزمور 110: 1).

بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الْأَعَالي (عبرانيين 1: 3 - أنظر مرقس 16: 19 ، أعمال 2: 34 و35).

نبوات عديدة تتحقق في يوم واحد:

ملاحظة: هناك 29 نبوة في العهد القديم تتحدث عن تسليم المسيح ومحاكمته وموته ودفنه، تنبأت عنها أصوات مختلفة خلال خمسة قرون من 1000 - 500 ق. م، وتحققت كلها حرفياً في أربع وعشرين ساعة من الزمان.

33 - خانه صديق

النبوة

التحقيق

رَجُلُ سَلَامَتِي، الَّذِي وَثَقْتُ بِهِ، آكِلُ خُبْزِي، رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ (مزمور 41: 9 - أنظر مزمور 55: 12 - 14).

...يَهُوذَا الْإِسْخَرْيُوطِيُّ الّذِي أَسْلَمَهُ (متى 10: 4 - أنظر متى 26: 49 و50 ، يوحنا 13: 21).

34 - بيعه بثلاثين من الفضة

النبوة

التحقيق

فَقُلْتُ لَهُمْ: حَسُنَ فِي أَعْيُنِكُمْ فَأَعْطُونِي أُجْرَتِي وَإِلَّا فَا مْتَنِعُوا . فَوَزَنُوا أُجْرَتِي ثَلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ (زكريا 11: 12).

وَقَالَ: مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُونِي وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ (متى 26: 15 - أنظر متى 27: 3).

35 - إلقاء المال في بيت اللّه

النبوة

التحقيق

فَقَالَ لِي الرَّبُّ: أَلْقِهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ، الثَّمَنَ الْكَرِيمَ الّذِي ثَمَّنُونِي بِهِ . فَأَخَذْتُ الثَّلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ وَأَلْقَيْتُهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ فِي بَيْتِ الرَّبِّ (زكريا 11: 13).

فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ (متى 27: 5).

36 - الثمن دُفع لحقل الفخاري

النبوة

التحقيق

.., فَأَخَذْتُ الثَّلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ وَأَلْقَيْتُهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ فِي بَيْتِ الرَّبِّ (زكريا 11: 13).

فَتَشَاوَرُوا وَاشْتَرَوْا بِهَا حَقْلَ الْفَخَّارِيِّ مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ (متى 27: 7).

وفي النبوات الأربع الماضية تحققت النبوات التالية:

1 - الخيانة.

2 - من صديق.

3 - بثلاثين (ليس 29 مثلاً).

4 - من الفضة (وليس الذهب).

5 - أُلقيت (وليس وُضعت).

6 - في بيت الرب.

7 - واستُخدم المال لشراء حقل الفخاري.

37 - تلاميذه يتركونه

النبوة

التحقيق

اِضْرِبِ الرَّاعِيَ فَتَتَشَتَّتَ الْغَنَمُ (زكريا 13: 7).

فَتَرَكَهُ الْجَمِيعُ وَهَرَبُوا (مرقس 14: 50 - أنظر متى 26: 31 ، مرقس 14: 27).

فسرَّ المسيح نبوة زكريا عن تلاميذه. هم الغنم وهو الراعي (متى 26: 31 ، مرقس 14: 27). وقد تحققت النبوة، لكن الراعي لم يترك الغنم، فإن الرب نفسه - عاملاً في رجل رفقته وبواسطته (يوحنا 5: 19 و30) سيردّ يده (أي سيساعد) على الصغار (أي تلاميذه المرتعبين) (لوقا 24: 4 و11 و 17 و37) (يوحنا 20: 2 و11 و19 و26)، وهكذا أصبح هؤلاء المرتعبون شجعاناً كارزين بملكوت المسيح.

38 - يشهدون ضده زوراً

النبوة

التحقيق

شُهُودُ زُورٍ يَقُومُونَ، وَعَمَّا لَمْ أَعْلَمْ يَسْأَلُونَنِي (مزمور 35: 11).

وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةَ زُورٍ عَلَى يَسُوعَ لِكَيْ يَقْتُلُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوا. وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ، لَمْ يَجِدُوا. وَل كِنْ أَخِيراً تَقَدَّمَ شَاهِدَا زُورٍ وَقَالَا: هذَا قَالَ إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هَيْكَلَ اللّهِ، وَفِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِيهِ (متى 26: 59-61).

39 - صامت أمام متَّهميه

النبوة

التحقيق

ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ (إشعياء 53: 7).

وَبَيْنَمَا كَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْ بِشَيْ (متى 27: 12).

40 - مجروح ومسحوق

النبوة

التحقيق

وَهُوَ مَجْرُوحٌ لِأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لِأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلَامِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا (إشعياء 53: 5 - أنظر زكريا 13: 6).

حِينَئِذٍ أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ، وَأَمَّا يَسُوعُ فَجَلَدَهُ وَأَسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ (متى 27: 26).

وعلى الصليب، من رأسه المكلل بالشوك إلى قدميه المسمرتين على الخشبة كان جسده كله مجروحاً ومسحوقاً ودامياً.

41 - مضروب ومتفول عليه

النبوة

التحقيق

بَذَلْتُ ظَهْرِي لِلضَّارِبِينَ وَخَدَّيَّ لِلنَّاتِفِينَ. وَجْهِي لَمْ أَسْتُرْ عَنِ الْعَارِ وَالْبَصْقِ (إشعياء 50: 6 أنظر ميخا 5: 1).

حِينَئِذٍ بَصَقُوا فِي وَجْهِهِ وَلَكَمُوهُ، وَآخَرُونَ لَطَمُوهُ (متى 26: 67 - أنظر لوقا 22: 63).

42 - سخروا منه

النبوة

التحقيق

كُلُّ الّذِينَ يَرُونَنِي يَسْتَهْزِئُونَ بِي. يَفْغَرُونَ الشِّفَاهَ وَيُنْغِضُونَ الرَّأْسَ قَائِلِينَ: 8 اتَّكَلَ عَلَى الرَّبِّ فَلْيُنَجِّهِ. لِيُنْقِذْهُ لِأَنَّهُ سُرَّ بِهِ (مزمور 22: 7 ، 8).

وَبَعْدَ مَا استَهْزَأُوا بِهِ، نَزَعُوا عَنْهُ الرِّدَاءَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ، وَمَضَوْا بِهِ لِلصَّلْبِ (متى 27: 31).

43 - سقط تحت حمل الصليب

النبّوة

التحقيق

رُكْبَتَايَ ارْتَعَشَتَا مِنَ الصَّوْمِ، وَلَحْمِي هُزِلَ عَنْ سِمَنٍ. 25 وَأَنَا صِرْتُ عَاراً عِنْدَهُمْ. يَنْظُرُونَ إِلَيَّ وَيُنْغِضُونَ رُؤُوسَهُمْ (مزمور 109: 24 و25).

فَخَرَجَ وَهُوَ حَامِلٌ صَلِيبَهُ (يوحنا 19: 17) وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ أَمْسَكُوا سِمْعَانَ، رَجُلاً قَيْرَوَانِيّاً,,, وَوَضَعُوا عَلَيْهِ الصَّلِيبَ لِيَحْمِلَهُ خَلْفَ يَسُوعَ (لوقا 23: 26 - أنظر متى 27: 31 و 32).

حمل يسوع صليبه، ولما ارتعشت ركبتاه تحت الحمل، سخَّروا سمعان ليحمله عوضاً عنه.

44 - ثقب يديه ورجليه

النبوة

التحقيق

ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ (مزمور 22: 16 - أنظر زكريا 12: 10).

وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الّذِي يُدْعَى جُمْجُمَةَ صَلَبُوهُ (لوقا 23: 33 أنظر يوحنا 20: 25).

صُلب يسوع بالطريقة الرومانية، التيفيها تُثقب اليدان والقدمان بالمسامير الخشنة ليعلّقوا الجسد على الخشبة.

45 - يُصلب بين اللصوص

النبوة

التحقيق

سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ (إشعياء 53: 12).

حِينَئِذٍ صُلِبَ مَعَهُ لِصَّانِ، وَاحِدٌ عَنِ الْيَمِينِ وَوَاحِدٌ عَنِ الْيَسَارِ (متى 27: 38 - أنظر مرقس 15: 27 ، 28).

لم يكن قانون العقوبات اليهودي يعرف الصَّلْب، ولكنهم كانوا يعلّقون الزاني والمجدف على شجرة بعد أن يقتلوه بالرجم، كملعون من اللّه، كما تقول التثنية 21: 23 المعلَّق ملعون من اللّه . وقد طبَّق اليهود هذه الآية على المصلوب. وإذ كان الصلب يُعتبر - في أعين العالم الوثني - أحقر وأحطّ وسيلة للقصاص، فإن اليهود - فوق كل ذلك - كانوا يعتبرون المصلوب ملعوناً أيضاً من اللّه. ولم يقبل اليهود موت الصليب إلا تحت الحكم الروماني فقد كانوا ينفذون الإعدام بالرجم.

ومن هذا نرى أن نبوة إشعياء 53 ومزمور 22 عن الصليب أمر غريب على اليهود الذين لم يعرفوا الصلب إلا بعد هذه النبوات بمئات السنين.

46 - صلى لأجل صالبيه

النبوة

التحقيق

َهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ (إشعياء 53: 12).

يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ (لوقا 23: 34).

لقد بدأ شفاعته على الصليب (لوقا 23: 34) وهو يستمر فيها في السماء (عبرانيين 9: 24 ، 1 يوحنا 2: 1).

47 - رفض شعبه له

النبوة

التحقيق

مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحُزْنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ (إشعياء 53: 3 - أنظر مزمور 69: 8 ، 118: 22).

لِأَنَّ إِخْوَتَهُ أَيْضاً لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ (يوحنا 7: 5 ، 48).

 

أَلَعَلَّ أَحَداً مِنَ الرُّؤَسَاءِ أَوْ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ آمَنَ بِهِ؟ (يوحنا 7: 48) (أنظر يوحنا 1: 11 ومتى 21: 42 و43).

48 - مكروه بلا سبب

النبوة

التحقيق

أَكْثَرُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِي الّذِينَ يُبْغِضُونَنِي بِلَا سَبَبٍأ (مزمور 69: 4 - أنظر إشعياء 49: 7).

ل كِنْ لِكَيْ تَتِمَّ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ فِي نَامُوسِهِمْ: إِنَّهُمْ أَبْغَضُونِي بِلَا سَبَبٍ (يوحنا 15: 25).

49 - وقف أصحابه بعيداً عنه

النبوة

التحقيق

أَحِبَّائِي وَأَصْحَابِي يَقِفُونَ تُجَاهَ ضَرْبَتِي، وَأَقَارِبِي وَقَفُوا بَعِيداً (مزمور 38: 11).

وَكَانَ جَمِيعُ مَعَارِفِهِ، وَنِسَاءٌ كُنَّ قَدْ تَبِعْنَهُ مِنَ الْجَلِيلِ، وَاقِفِينَ مِنْ بَعِيدٍ يَنْظُرُونَ ذ لِكَ (لوقا 23: 49 - أنظر مرقس 15: 40 ، متى 27: 55 ، 56).

50 - الناس يهّزُون رؤوسهم

النبوة

التحقيق

وَأَنَا صِرْتُ عَاراً عِنْدَهُمْ. يَنْظُرُونَ إِلَيَّ وَيُنْغِضُونَ رُؤُوسَهُمْ (مزمور 109: 25 - أنظر مزمور 22: 7).

وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُّزُونَ رُؤُوسَهُمْ (متى 27: 39).

وهّز الرأس علامة على أنه لا رجاء للمتألم في النجاة، وأن ناظريه يسخرون منه (أيوب 16: 4 ، مزمور 44: 14).

51 - ينظرون إليه

النبوة

التحقيق

أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي، وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَيَتَفَرَّسُونَ فِيَّ (مزمور 22: 17).

وَكَانَ الشَّعْبُ وَاقِفِينَ يَنْظُرُونَ (لوقا 23: 35).

52 - على ثوبه يقترعون

النبوة

التحقيق

يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ (مزمور 22: 18).

فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا نَشُقُّهُ، بَلْ نَقْتَرِعُ عَلَيْهِ لِمَنْ يَكُونُ . لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً . هذَا فَعَلَهُ الْعَسْكَرُ (يوحنا 19: 23 ، 24).

أخذ العسكر ثياب يسوع وجعلوها أربعة أقسام، لكل عسكري قسماً، وأخذوا القميص أيضاً. وكان القميص منسوجاً من قطعة واحدة بغير خياطة، فلم يمزقوه بل ألقوا عليه قرعة.

53 - يعطش

النبوة

التحقيق

فِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلاًّ (مزمور 69: 21. أنظر مزمور 22: 15).

بَعْدَ هذَا قَالَ يَسُوعُ: أَنَا عَطْشَانُ (يوحنا 19: 28).

54 - يعطونه الخل والمر

النبوة

التحقيق

وَيَجْعَلُونَ فِي طَعَامِي عَلْقَماً وَفِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلاًّ (مزمور 69: 21).

أَعْطَوْهُ خَلاًّ مَمْزُوجاً بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ (متى 27: 34 - أنظر يوحنا 19: 28 ، 29).

أعطوه ليشرب مخدراً لتخفيف آلامه من قبيل الرحمة، لكنه رفض أن يشرب. قُدم الخل ليسوع مرتين: المرة الأولى كان ممزوجاً بمرارة (متى 27: 34) أو بمرّ (مرقس 15: 23) ولكنه لما ذاق لم يُرد أن يشرب، لأنه لم يشأ أن يتحمل الآلام وهو مخدَّر من تأثير المر. وفي المرة الثانية، لكي يتم الكتاب قال: أنا عطشان فقدموا له خلاً ليشرب (يوحنا 19: 28 ، متى 27: 48).

55 - صرخته وحده

النبوة

التحقيق

إِل هِي! إِل هِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ (مزمور 22: 1).

وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: إِيلِي إِيلِي، لَمَا شَبَقْتَنِي (أَيْ: إِل هِي إِل هِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟) (متى 27: 46).

لقد تكررت عبارة إلهي ثلاث مرات في المزمور الثاني والعشرين، وكأنه يريد أن يعلن بقوة أن اللّه هو إلهه رغم كل الظروف التي تناقض ذلك. لقد حّوَلت تلك الصرخة أنظار الناس إلى المزمور الثاني والعشرين، فهو نبوة صريحة عن الصليب.

56 - يستودع نفسه اللّه

النبوة

التحقيق

فِي يَدِكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي (مزمور 31: 5).

وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي (لوقا 23: 46).

57 - عظامه لم تُكسَر

النبوة

التحقيق

يَحْفَظُ جَمِيعَ عِظَامِهِ. وَاحِدٌ مِنْهَا لَا يَنْكَسِرُ (مزمور 34: 20).

وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ، لِأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ (يوحنا 19: 33).

وهناك نبوتان أخريان عن عظام يسوع:

1 - انفصلت كل عظامي (مزمور 22: 14) وهذا يصدق على ميتة الصليب.

2 - أُحصي كل عظامي (مزمور 22: 17) فإن عظام المصلوب النافرة يمكن أن تُرى وتُعدّ.

58 - انكسر قلبه

النبوة

التحقيق

صَارَ قَلْبِي كَا لشَّمْعِ. قَدْ ذَابَ فِي وَسَطِ أَمْعَائِي (مزمور 22: 14).

ل كِنَّ وَاحِداً مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ، وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ (يوحنا 19: 34).

خروج الدم والماء من جنبه المطعون برهان على انفجار قلبه.

59 - جنبه المطعون

النبوة

التحقيق

يَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ (زكريا 12: 10).

ول كِنَّ وَاحِداً مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ (يوحنا 19: 34).

60 - ظلمة على الأرض

النبوة

التحقيق

وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، أَنِّي أُغَيِّبُ الشَّمْسَ فِي الظُّهْرِ، وَأُقْتِمُ الْأَرْضَ فِي يَوْمِ نُورٍ (عاموس 8: 9).

وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الْأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ (متى 27: 45).

الساعة السادسة عند اليهود، هي ساعة الظهر، لأنهم كانوا يحسبون الوقت من شروق الشمس إلى مغيبها (اثنتي عشرة ساعة).

61 - دُفن في قبر غني

النبوة

التحقيق

وَجُعِلَ مَعَ الْأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِوجُعل مع الأشرار قبره، ومع غني عند موته (إشعياء 53: 9).

جَاءَ رَجُلٌ غَنِيٌّ مِنَ الرَّامَةِ اسمُهُ يُوسُفُ,,, وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ,,, فَأَخَذَ يُوسُفُ الْجَسَدَ وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ، وَوَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ الْجَدِيدِ (متى 27: 57 - 60).

رابعاً - النبوات التي تحققت

تبرهن أن يسوع هو المسيا، المسيح؛ ابن اللّه

هناك بعض الاعتراضات على ما ذكرناه.. هي:

1 - النبوات التي تحققت في المسيح كانت مقصودة مدبَّرة:

وللإجابة على ذلك نقول إن الكثير من النبوات التي تحققت لم يكن في إمكان البشر أن يتحكموا فيها، مثل:

مكان الميلاد (ميخا 5: 2).

وقت الميلاد (دانيال 9: 25 ، تكوين 49: 10).

طريقة الميلاد (إشعياء 7: 14).

خيانة يهوذا له.

طريقة موته (مزمور 22: 16).

مواقف الناس من موته (السخرية - البصق - النظر).

طعن جنبه.

دفنه.

2 - النبوات التي تحققت في المسيح كانت محض صدفة:

يقول النقاد إننا نجد بعض النبوات تحققت في كيندي أو غيره مثلاً. وللإجابة نقول إننا قد نجد نبوة أو اثنتين تصدقان عن شخص ما، لكن كيف تتحقق 61 نبوة كبرى؟! ولو أن هناك شخصاً - من الأحياء أو الأموات - غير يسوع، تحققت فيه نصف النبوات التي قيلت في المسيا فإن جون ملداو صاحب شركة النشر كرستيان فكتوري في دنفر مستعد أن يعطي ألف دولار لمن يكشف عنه!

وقد قام بعض العلماء بحسابات - بناء على نظرية الاحتمالات - عن احتمال تحقيق ثمانية من هذه النبوات، فوجد أن احتمال تحقيق الثمانية معاً في شخص واحد تتحقق في شخص من كل 10 17 (أي واحد أمامه 17 صفراً). ولتصوير هذه الحقيقة نقول إننا لو أحضرنا 10 17 من الريالات الفضية وفرشناها على أرضية مصر لغطَّينا كل أرضها بعمق 60 سنتمتراً! والآن: خذ واحداً من هذه الريالات وضَعْ عليه علامة، واخلطه مع بقية الريالات وانثرها في كل مصر، ثم غطّ عيني شخص واطلب منه أن يسافر حيثما يشاء، ليستخرج هذا الريال بالذات. أي فرصة تكون أمامه ليجد هذا الريال؟ هكذا كانت الفرصة أمام الأنبياء وهم يكتبون هذه النبوات، ثم تتحقق هذه النبوات الثمانية في شخص واحد... هذا لو أنهم كتبوا هذه النبوات بحكمتهم الأرضية!.

ولا بد أن اللّه كان من خلف هذه النبوات، فإن فرصة صدق الأنبياء في تحقيق ثمانية من نبواتهم بطريق الصدفة - في شخص واحد - هي فرصة واحدة في كل 10 17 فرصة!!

أما فرصة تحقيق 48 نبوة بالصدفة في شخص واحد فهي فرصة واحدة في كل 10 157 (أي واحد أمامه 157 صفراً) فرصة. ولنعط مثلاً.. لنقل إننا نختار غلكترون.. ولو وضعنا ألكترونات عددها 25 15 لصنعنا سطراً رفيعاً طوله بوصة واحدة!! ولو حاولنا إحصاء هذه الإلكترونات بواقع 250 إلكتروناً كل دقيقة، واستمر العدّ ليلاً ونهاراً لاستغرقنا 19 مليون سنة ونحن نحصي الإلكترونات في هذه البوصة الواحدة. أما إذا أخذنا بوصة مكعبة من هذه الإلكترونات وحاولنا عدّها بمعدل 250 إلكتروناً في الدقيقة لاستغرقنا 19 مليون سنة 19 مليون سنة 19 مليون سنة، أي 6،9 10 21 من السنين.

والآن لنأخذ أحد هذه الالكترونات ونضع عليه علامة ما، ونخلطه مع البقية، ولنطلب من شخص معصوب العينين أن يستخرجه، فأي فرصة تكون له ليجد الالكترون المطلوب؟!

هذه فرصة الأنبياء في أن تتحقق 48 نبوة من نبواتهم في يسوع المسيح، لو أن تحقيق نبواتهم كان بطريق الصدفة!

خامساً - نبوات تتحقق عن موعد مجيء المسيا

1 - زوال القضيب!

لَا يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ (تكوين 49: 10).

وكلمة قضيب تعني عصا السبط أو القبيلة . وقد كان لكل سبط من أسباط إسرائيل الاثنى عشر عصا كُتب عليها اسمه. وهذه الآية تعني أن عصا سبط يهوذا لن تزول حتى يجيء شيلون. وقد رأى علماء اليهود والمسيحيين في اسم شيلون اسماً من أسماء المسيا الآتي .

ونحن نعلم أنه خلال السبي البابلي لمدة سبعين سنة زال السلطان من سبط يهوذا، لكن السبط لم يفقد عصاه أو شخصيتهم القومية المميزة، وكان لهم قضاتهم ومشترعوهم حتى وهم في بلاد السبي (عزرا 1: 5 و 8).

وقد توقَّع اليهود حدوث أمرين حالاً بعد مجيء المسيا:

1 - زوال القضيب، أو عصا سبط يهوذا.

2 - انهيار السلطة القضائية.

وقد جاءت العلامة المنظورة الأولى على بدء زوال القضيب من سبط يهوذا عندما حكم هيرودس الكبير (وهو ليس يهودياً) بعد حكم الأمراء المكابيين الذين كانوا من سبط لاوي، وآخر اليهود الذين حكموا في أورشليم. وقبل محاكمة المسيح بثلاثة وعشرين عاماً لم يعد لمجلس السنهدريم اليهودي حق إصدار أحكام الإعدام، فقد أُخذت منه هذه السلطة! وكان ذلك في عهد أرخيلاوس عام 11 م، وهو ابن هيرودس الكبير وخليفته. ويقول المؤرخ تاسيتوس إن الرومان احتفظوا لأنفسهم بحق الإعدام واستعمال السيف، وتركوا كل ماعدا ذلك. وقد احتفظ مجلس السنهدريم بالحقوق الآتية:

1 - حق الحرمان أو القطع (يوحنا 9: 22).

2 - حق السجن (أعمال 5: 17 ، 18).

3 - حق الضرب بالعصي (أعمال 16: 22).

ويقول التلمود: قبل خراب الهيكل بأكثر من أربعين سنة سلب الرومان حق إصدار حكم الإِعدام من اليهود. ويقول الربي رشمن إن أعضاء السنهدريم وقتها ذرُّوا الرماد على رؤوسهم، ولبسوا المسوح على أجسادهم، وصرخوا: ويل لنا، فقد زال القضيب من سبط يهوذا قبل أن يجيء المسيا (34).

ويقول المؤرخ يوسيفوس (الذي كان شاهد عيان لهذه الأحداث): بعد موت الوالي فستوس، وقبل مجيء الوالي الجديد ألبينوس، أسرع رئيس الكهنة حنان بدعوة مجلس السنهدريم، وأمر بحضور يعقوب أخي يسوع الذي يُدعى المسيح، مع آخرين لمحاكمة سريعة، وأصدر عليهم حكم الموت رجماً. وقد عبَّر الحكماء المحافظون على الشريعة عن استيائهم، وذهب بعضهم إلى ألبينوس نفسه - الذي كان قد ذهب إلى الاسكندرية - وأفادوه بالعمل غير القانوني الذي قام به حنان، بدعوة السنهدريم بغير تصريح من السلطة الرومانية .

وقد أراد أعضاء السنهدريم تفادي الحرج من حرمانهم من إصدار أحكام الموت رجماً. فألغوا حكم الإِعدام، وقالوا: لاحظ أعضاء السنهدريم زيادة عدد القتلة، حتى أصبح إعدامهم جميعاً مستحيلاً، فرأوا من المناسب أن يغيّروا مكان اجتماعهم حتى يتفادوا إصدار حكم الإِعدام . ويقول ميمونيدس: قبل خراب الهيكل الثاني بأربعين سنة توقَّف إصدار حكم الإِعدام في إسرائيل، رغم أن الهيكل كان مازال قائماً، وذلك لأن أعضاء السنهدريم هجروا قاعة الحجارة المنحوتة وصاروا يعقدون اجتماعاتهم في أماكن أخرى (34).

ويقول ليتفوت: قرر أعضاء السنهدريم عدم إصدار أحكام بالإِعدام طالما أن بلادهم واقعة تحت سيادة روما، فإن إصدار حكم بالإِعدام على أحد أولاد إبراهيم، بينما اليهودية تدوسها أقدام الغزاة الرومانيين، إهانة للدم العريق، دم الآباء. لذلك قالوا: فلنترك إذاً قاعة الحجارة المنحوتة، لأنه في خارجها لا يمكن الحكم على أحد بالموت. فلنعلن احتجاجنا على ذلك بهجر هذه القاعة والكفّ عن إصدار الأحكام، لأنه وإن كانت روما تحكم العالم، إلا أنها لا يمكن أن تتحكم في حياة اليهود ونواميسهم .

لقد ضاعت القوة القضائية، وتوقف السنهدريم عن العمل القضائي، وقالوا: ويل لنا، فقد زال القضيب من سبط يهوذا قبل أن يجيء المسيا بينما كان المسيا الناصري الشاب يتمشَّى في وسطهم وهم لا يعلمون!

2 - خراب الهيكل:

وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الّذِي تَطْلُبُونَهُ (ملاخي 3: 1).

هذا الشاهد وأربعة شواهد أخرى تفيد أن المسيا سيأتي وهيكل أورشليم قائم (والشواهد هي: مزمور 118: 26 ، دانيال 9: 26 ، زكريا 11: 13 ، حجي 2: 7 - 9). وهذه النبوة ذات دلالة عظيمة، خصوصاً إذا علمنا أن الهيكل أُخرب سنة 70 م ولم يقم منذ ذلك الوقت!

وَبَعْدَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعاً يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ، وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخْرِبُ الْمَدِينَةَ وَالْقُدْسَ (دانيال 9: 26).

وهذه النبوة مذهلة، فهي تقدم البرنامج الزمني الآتي:

1 - المسيا يجيء.

2 - المسيا يُقطع (يموت).

3 - تُخرب المدينة (أورشليم) والقدس (الهيكل).

وقد أخرب تيطس الروماني وجيشه أورشليم والهيكل عام 70 م. فإما أن يكون المسيا قد جاء، أو أن تكون النبوة كاذبة!

3 - أسابيع دانيال التسعة والستون:

سَبْعُونَ أُسْبُوعاً قُضِيَتْ عَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى مَدِينَتِكَ الْمُقَدَّسَةِ لِتَكْمِيلِ الْمَعْصِيَةِ وَتَتْمِيمِ الْخَطَايَا، وَلِكَفَّارَةِ الْإِثْمِ، وَلِيُؤْتَى بِا لْبِرِّ الْأَبَدِيِّ، وَلِخَتْمِ الرُّؤْيَا وَالنُّبُّوَةِ، وَلِمَسْحِ قُدُّوسِ الْقُدُّوسِينَ.

فَا عْلَمْ وَافْهَمْ أَنَّهُ مِنْ خُرُوجِ الْأَمْرِ لِتَجْدِيدِ أُورُشَلِيمَ وَبَنَائِهَا إِلَى الْمَسِيحِ الرَّئِيسِ سَبْعَةُ أَسَابِيعَ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ أُسْبُوعاً، يَعُودُ وَيُبْنَى سُوقٌ وَخَلِيجٌ فِي ضِيقِ الْأَزْمِنَةِ.

وَبَعْدَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعاً يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ، وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخْرِبُ الْمَدِينَةَ وَالْقُدْسَ، وَانْتِهَاؤُهُ بِغَمَارَةٍ، وَإِلَى النِّهَايَةِ حَرْبٌ وَخِرَبٌ قُضِيَ بِهَا.

وَيُثَبِّتُ عَهْداً مَعَ كَثِيرِينَ فِي أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ، وَفِي وَسَطِ الْأُسْبُوعِ يُبَطِّلُ الذَّبِيحَةَ وَالتَّقْدِمَةَ، وَعَلَى جَنَاحِ الْأَرْجَاسِ مُخَرَّبٌ حَتَّى يَتِمَّ وَيُصَبَّ الْمَقْضِيُّ عَلَى الْمُخَرَِّبِ (دانيال 9: 24 - 27).

تتعلق هذه النبوة بإسرائيل - شعب دانيال، وبأورشليم مدينة دانيال (آية 24).

ويذكر دانيال رئيسين:

(ا) المسيح (آية 25).

(ب) رئيس آتٍ (آية 26).

وتحدد فترة الزمن بتسعين أسبوعاً (آية 24).

(ا) كوحدة زمنية (آية 24).

(ب) مقسَّمة إلى ثلاث حقب: سبعة أسابيع، 62 أسبوعاً، وأسبوع واحد (آيتا 25 ، 27).

وهناك بدء آية محددة للسبعين أسبوعاً (آية 25).

يظهر المسيا في نهاية 69 أسبوعاً (آية 25).

خراب المدينة والقدس بفعل رئيس آت (آية 26).

عهد بين إسرائيل والرئيس الآتي في بداية الأسبوع الأخير (آية 27).

ويُكسَر هذا العهد في منتصف الأسبوع (آية 27).

في نهاية السبعين أسبوعاً يؤتى بالبر الأبدي لإسرائيل (آية 24).

والآن تعالوا ندرس الوقت المتضمَّن في النبوة:

كلمة أسبوع في العبرية هي سبوع وتعني سبعة . وعلى هذا فإن سبعين أسبوعاً هي سبعين سبعة. وكان اليهود يتحدثون عن أسبوع أيام أو أسبوع سنين (راجع اللاويين 25: 2 - 8). وهناك ما يجعلنا نقرر أن أسابيع دانيال هي أسابيع سنين:

(ا) كان دانيال يفكر في أسابيع السنين في أوائل هذا الأصحاح (9: 1 ، 2).

(ب) كان دانيال يعلم أن السبي البابلي يرجع إلى عدم حفظ سنة اليوبيل: ولما كان اليهود في السبي 70 سنة، فيكون عدم حفظهم لليوبيل قد استمر 490 سنة (اللاويين 26: 32 - 35 ، 2 أخبار أيام 36: 21 ، دانيال 9: 24).

(ج) تشير القرينة إلى أن المقصود هنا سنوات.

(د) في دانيال 10: 2 و 3 يتحدث دانيال عن ثلاثة أسابيع أيام . فلو أنه قصد هنا أسابيع أيام لقال ذلك.

(ه ) في وسط الأسبوع (آية 27) يظهر أن المقصود ثلاث سنوات ونصف. وقد جاءت الفكرة نفسها في الرؤيا 13: 4 - 7 على أنها تستغرق 42 شهراً، أي ثلاث سنوات ونصف، وفي الرؤيا 12: 6 نجدها 1260 أي ثلاث سنوات ونصف، فالسنة الكتابية هي 360 يوماً.

أما بداية السبعين أسبوعاً فنجدها عن الملك أرتحشستا (نحميا 2: 1 - 8) وتاريخها كالآتي:

(ا) في شهر نيسان، في السنة العشرين لأرتحشستا الملك .

(ب) ارتقى أرتحشستا العرش عام 465 ق.م. وعلى هذا فإن نحميا 2: 1 يكون في 445 ق.م.

(ج) عندما لا يحدّد الكاتب العبري يوم الشهر يكون المقصود عادة اليوم الأول من الشهر.

(د) يكون اليوم حسب تقويمنا هو 14 مارس (آذار) 445 ق. م.

وقد استغرق إعادة المدينة 49 سنة (آية 25). وقد انتهت النبوة اليهودية في العهد القديم بملاخي الذي جاء بعد 49 سنة من صدور أمر أرتحشستا في 445 ق. م.

وجاء آخر نبي في العهد القديم (ملاخي) 49 سنة بعد عام 445 ق. م.

وهكذا نجد أن التسعة والستين أسبوعاً.

1 - تحويل الأسابيع إلى أيام.

(ا) 69 أسبوعاً 7 سنوات 360 يوماً = 173 ، 880 يوماً.

(ب) 173 ، 880 يوماً من 14 مارس 445 ق. م تنتهي في 6 أبريل عام 32 م..

2 - قال السير روبرت أندرسون: بعد حسابات كثيرة وجدنا أن 10 نيسان في التقويم اليولياني هو 6 أبريل 32 م. فما هي المدة بين إصدار الأمر بإعادة بناء أورشليم وبين مجيء المسيح الرئيس - أي بين 445 ق. م. و32 م؟ إنها بالضبط 173 ، 880 يوماً، أو 69 أسبوعاً من السنين النبوية .

وهاك الحساب بتقويمنا الحالي:

من 445 ق م إلى 32 م 476 سنة (من ق. م إلى 1 م سنة واحدة).

476 365 يوماً = 740،173 يوماً

إضافة السنوات الكبيسة = 116 يوماً

14 مارس - 6 أبريل = 24 يوماً

_________________________________

المجموع 880،173 يوماً

حوادث هامة في نهاية ال 69 أسبوعاً:

1 - المناداة بالملك والملكوت.

والتاريخ المذكور أعلاه هو اليوم الذي حقق فيه المسيح نبوة زكريا 9: 9 (قارن لوقا 19: 28 - 44).

وهناك حادثتان هامتان بعد ال 69 أسبوعاً وقبل الأسبوع السبعين:

(ا) قطع المسيح الرئيس (صلبه).

(ب) خراب المدينة والقدس (أخرب تيطس أورشليم عام 70 م).

ومهما كان حسابك للتواريخ (حتى لو رفضت حسابات السير روبرت أندرسون) فإنك تجد أن المسيا يجب أن يجيء قبل خراب أورشليم.

سادساً - نبوات العهد القديم

التي تحققت حرفياً في المسيح

قال كانون ليدون - وهو حجة في دراسات العهد القديم - إن بالعهد القديم 332 نبوة تحققت حرفياً في المسيح:

1 - مجيئه الأول:

الحقيقة: تكوين 3: 15 ، تثنية 18: 15 ، مزمور 89: 20 ، إشعياء 9: 6 ، 28: 16 ، 32: 1 ، 35: 4 ، 42: 6 ، 49: 1 ، 55: 4 ، حزقيال 34: 24 ، دانيال 2: 44 ، ميخا 4: 1 ، زكريا 3: 8.

الوقت: تكوين 49: 10 ، العدد 24: 17 ، دانيال 9: 24 ، ملاخي 3:

ألوهيته: مزمور 2: 7 و 11 ، 45: 6 و7 و11 ، 72: 8 ، 102: 24 - 27 ، 89: 26 و27 ، 110: 1 ، إشعياء 9: 6 ، 25: 9 ، 40: 10 ، إرميا 23: 6 ، ميخا 5: 2 ، ملاخي 3: 1.

ناسوته: تكوين 12: 3 ، 18: 18 ، 21: 12 ، 22: 18 ، 26: 4 ، 28: 14 ، 49: 10 ، 2 صموئيل 7: 14 ، مزمور 18: 4 - 6 و50 ، 22: 22 و23 ، 89: 4 ، 29: 36 ، 132: 11 ، إشعياء 11: 1 ، إرميا 23: 5 ، 33: 15.

2 - سابقه (مَن يتقدَّمه):

إشعياء 40: 3 ، ملاخي 3: 1 ، 4: 5.

3 - ميلاده وسنوات طفولته:

الحقيقة: تكوين 3: 15 ، إشعياء 7: 14 ، إرميا 31 هوشع 6: 2.

المكان: العدد 24: 17 و19 ، ميخا 5: 2.

سجود المجوس له: مزمور 72: 10 و15 ، إشعياء 60: 3 و6.

النزول لمصر: هوشع 11: 1.

مذبحة الأطفال: إرميا 31: 15.

4 - رسالته وعمله:

رسالته: تكوين 12: 3 ، 49: 10 ، العدد 24: 19 ، التثنية 18: 18 و 19 ، مزمور 21: 1 ، إشعياء 59: 20 ، إرميا 33: 16.

كاهن مثل ملكي صادق: مزمور 110: 4.

نبي مثل موسى: التثنية 18: 15.

تجديد الأمم: إشعياء 11: 10 ، التثنية 32: 43 ، مزمور 18: 49 ، 19: 4 ، 117: 1 ، إشعياء 42: 1 ، 45: 23 ، 49: 6 ، هوشع 1: 10 ، 2: 23 ، يوئيل 2: 32.

خدمته في الجليل: إشعياء 9: 1 و2.

معجزاته: إشعياء 35: 5 و6 ، 42: 7 ، 53: 4.

فضائله الروحية: مزمور 45: 7 ، إشعياء 11: 2 ، 42: 1 ، 53: 9 ، 61: 1 ، 2.

كرازته: مزمور 2: 7 ، 78: 2 ، إشعياء 2: 3 ، 61: 1 ، ميخا 4: 2.

تطهيره الهيكل: مزمور 69: 9.

5 - آلامه:

اليهود والأمم يرفضونه: مزمور 2: 1 ، 22: 12 ، 41: 5 ، 56: 5 ، 69: 8 ، 118: 22 و23 ، إشعياء 6: 9 و10 ، 8: 14 ، 29: 13 ، 53: 1 ، 65: 2.

اضطهاده: مزمور 22: 6 ، 35: 7 و12 ، 56: 5 ، 71: 10 ، 109: 2 ، إشعياء 49: 7 ، 53: 3.

دخوله الإنتصاري لأورشليم: مزمور 8: 2 ، 118: 25 و26 ، زكريا 9: 9.

صديقه يخونه: مزمور 41: 9 ، 55: 13 ، زكريا 13: 6.

تسليمه بثلاثين من الفضة: زكريا 11: 12.

موت الخائن: مزمور 55: 15 و23 ، 109: 17.

شراء حقل الفخاري: زكريا 11: 13.

هجر التلاميذ له: زكريا 13: 7.

اتهامات كاذبة: مزمور 27: 12 ، 35: 11 ، 109: 2 ، مزمور 2: 1 و2.

سكوته أمام مُتَّهميه: مزمور 38: 13 ، إشعياء 53: 7.

السخرية به: مزمور 22: 7 و8 و16 ، 109: 25.

شتمه والتفل عليه وجلده: مزمور 35: 15 و21 ، إشعياء 50: 6.

صبره على الآلام: إشعياء 53: 7 - 9.

صلبه: مزمور 22: 14 و17.

تقديم المرّ والخلّ له: مزمور 69: 21.

صلاته لأجل أعدائه: مزمور 109: 4.

صرخاته على الصليب: مزمور 22: 1 ، 31: 5.

موته في ريعان شبابه: مزمور 89: 45 ، 102: 24.

موته مع الأشرار: إشعياء 53: 9 و12.

الطبيعة تشارك: عاموس 5: 20 ، زكريا 14: 4 و6.

إلقاء قرعة على ثوبه: مزمور 22: 18.

عدم كسر عظامه: مزمور 34: 20.

طعنه: مزمور 22: 16 ، زكريا 12: 10 ، 13: 6.

موته طوعاً: مزمور 40: 6 - 8.

موته الكفاري: إشعياء 53: 4 - 6 و12 ، دانيال 9: 26.

دفنه مع غني: إشعياء 53: 9.

6 - قيامته:

مزمور 16: 8 - 10 ، 30: 3 ، 41: 10 ، 118: 17 ، هوشع 6: 2.

7 - صعوده:

مزمور 16: 11 ، 24: 7 ، 68: 18 ، 110: 1 ، 118: 19.

8 - مجيئه ثانية:

مزمور 50: 3 - 6 ، إشعياء 9: 6 و7 ، 66: 18 ، دانيال 7: 13 و، زكريا 12: 10 ، 14: 4 - 8.

سلطانه شامل ودائم: أخبار أيام أول 17: 11 - 14 ، مزمور 72: 8 ، إشعياء 9: 7 ، دانيال 7: 14 ، مزمور 2: 6 - 8 ، 8: 6 ، 110: 1 - 3 ، 45: 6 و7.

مراجع الفصل الأول إلى الخامس

 

1. F .F Bruce, The New Testament Documents, are they Reliable?Inter-Varsity Press, 1972.

2. John W. Monotgomery,and Christianity, Inter-Varsity Press, 1964.

3. Elgin Moyer, Who Was in Church History? Moody Press, 1968.

4. Joseph Klausner, Jesus of Nazareth, Macmilan, 1925.

5. Charles E. Deland, The Mis-Trials if Jesue. Boston: Richard G' Badger,1914.

6. C.S. Lewis, Mere Christianity, Macmilan, 1952.

7. Kenneth Latourette, A History of Christianity, New York: Harper &Row,1953.

8. William Lecky, History of European Morals from Augustus to Charlemage, NewYork, D. Appelton and Co, 1903.

9. Philip Scaff, History of the Christian Churchm 8 Vols, Eerdmans.

10. Philip Schaff, The Person of Christ, American Tract Society, 1913.

11. C.S. Lewis, Miracles, A Preliminary Study, Macmillan, 1952.

12. Vernon C. Grounds, The Reason of Our Hope, Moody Press, 1945.

13. Clement F. Fogers, The Case of Miracles, SPCK London, 1036.

14. John R. Rice, Is Jesus God? Sword of the Lord Publishers, 1966.

15. Gresham Machen, The Virgin Birth of Christ,Baker Book House, 1965.

16. James Orr. The Virgin Birth of Christ, Charles Scribners Sons. 1907.

17. Origin, Contra Clesum, Cambridge U. Press, 1953.

18. Henry M. Morris, The Bible Has The Answer, Baker Book House, 1971.

19. John R. Scott, Basic Christianity, Inrt Varsity Press, 1971.

20. Charles E. Jefferson, The Character of Jesus, Thomas Y. Crwell Co., 1936.

21. Kenneth Latourette, A History of Christianity, Harper and Row., 1953.

22. Frank Mead, The Encyclopedia of Religious Quotations, Fleming Revell.

23. William Lecky, History of European Morals from Augustus to Chalemagna, D.Appleton and Co., 1903.

24. Paul Little, Know Why You Believe, Scripture Press Publications, 1967.

25. C.S. Lewis Miracles, Macmillan, 1947.

26. Bernard Ramm, Protstant Christian Evidences, Moody Press, 1957.

27. John Young, Christ of History, Strahan and Co. 1868.

28. Johnston Ross, The Universality of Jesus, Fleming H. Revell, 1906.

29. Griffith Thomas, Christianity is Christ, Moody Press. 1965.

30. Kenneth Latourette, American Historical Review, LIV, January, 1949.

31. Ten Scientists Look At Life,Westchester: Good News Publishers )Tract(.

32. David L. Cooper, God and Messiah, Biblical Research Society.

33. Jacob S. Minkin, The World of Moses Maimonides, New York, Thomas Yoseloff,1957.

34. M.M. Le Mann, Jesus Before The Sanhedrinm Southern Methodist PublishingHous, 1886.

 

 

الفصل السادس

القيامة: خدعة أم حقيقة؟

في هذا الفصل نعرض الحقائق الآتية:

أولاً - أهمية القيامة

ثانياً - إعلان المسيح أنه سيقوم من الموت

ثالثاً - معالجة تاريخية:

1 - القيامة حادثة تاريخية

2 - شهادة التاريخ والقانون

3 - شهادة آباء الكنيسة الأولين

رابعاً - مشاهد حول حادثة القيامة:

1 - المسيح مات

2 - القبر

3 - الدفن

4 - الحجر

5 - الختم

6 - الحراس

7 - التلاميذ الهاربون

خامساً - مشاهد بعد حادثة القيامة:

1 - القبر الفارغ

2 - الأكفان

3 - وضع الحجر

4 - الختم

5 - الحرس الروماني

6 - ظهورات المسيح

7 - صمت الأعداء

سادساً - حقائق ثابتة عن القيامة:

1 - حقائق تاريخية ثابتة

2 - حقائق نفسية ثابتة

3 - حقائق اجتماعية ثابتة

سابعاً - نظريات فاسدة ضد القيامة:

1 - نظرية الإغماء

2 - نظرية السرقة

3 - نظرية الهلوسة

4 - نظرية الخطأ في القبر

ثامناً الخاتمة.

بالحقيقة قام!

مقدمة

وصلتُ بعد دراسة متعمقة إلى أن حقيقة قيامة المسيح قد تكون أردأ خدعة دُسَّت على عقول البشر، أو أنها أروع حقائق التاريخ.

وللمسيح ثلاث مميزات تشهد له:

1 - تأثير حياته على التاريخ.

2 - تحقيق النبوات القديمة فيه.

3 - قيامته. والمسيحية والقيامة تقومان معاً أو تسقطان معاً.

تعالوا نقرأ القصة كما أوردها البشير متى:

وَبَعْدَ السَّبْتِ، عِنْدَ فَجْرِ أَّوَلِ الْأُسْبُوعِ، جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الْأُخْرَى لِتَنْظُرَا الْقَبْرَ. وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ، لِأَنَّ مَلَاكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ. وَكَانَ مَنْظَرُهُ كَا لْبَرْقِ، وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَا لثَّلْجِ. فَمِنْ خَوْفِهِ ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ. فَقَالَ الْمَلَاكُ لِلْمَرْأَتَيْنِ: لَا تَخَافَا أَنْتُمَا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ. لَيْسَ هُوَ ه هُنَا، لِأَنَّهُ قَامَ كَمَا قَالَ. هَلُمَّا انْظُرَا الْمَوْضِعَ الّذِي كَانَ الرَّبُّ مُضْطَجِعاً فِيهِ. وَاذْهَبَا سَرِيعاً قُولَا لِتَلَامِيذِهِ إِنَّهُ قَدْ قَامَ مِنَ الْأَمْوَاتِ. هَا هُوَ يَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ. هُنَاكَ تَرَوْنَهُ. هَا أَنَا قَدْ قُلْتُ لَكُمَا . فَخَرَجَتَا سَرِيعاً مِنَ الْقَبْرِ بِخَوْفٍ وَفَرَحٍ عَظِيمٍ، رَاكِضَتَيْنِ لِتُخْبِرَا تَلَامِيذَهُ. وَفِيمَا هُمَا مُنْطَلِقَتَانِ لِتُخْبِرَا تَلَامِيذَهُ إِذَا يَسُوعُ لَاقَاهُمَا وَقَالَ: سَلَامٌ لَكُمَا . فَتَقَدَّمَتَا وَأَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَهُ. فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: لَا تَخَافَا. اِذْهَبَا قُولَا لِإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي .

وَفِيمَا هُمَا ذَاهِبَتَانِ إِذَا قَوْمٌ مِنَ الْحُرَّاسِ جَاءُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَخْبَرُوا رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ بِكُلِّ مَا كَانَ (متى 28: 1 - 11).

أولاً - أهمية القيامة

تقوم كل ديانات العالم العظمى على افتراضات فلسفية، ما عدا أربع منها، تعتمد على شخصيات أكثر مما تعتمد على الفلسفات. والمسيحية وحدها هي التي تنادي بأن قبر مؤسسها فارغ. إبراهيم أب اليهودية - مات منذ نحو 1900 ق. م دون أن يدَّعي أحد أنه قام.

وفي الكتابات الأولى القديمة عن بوذا نقرأ عن موته، ثم التعليق بأنه بهذا الموت لا يبقى بعده شيء بالمرة .

ولقد مات نبي الإسلام في الثامن من يونيو 632 م بالمدينة في الحادية والستين من عمره، ويزور قبره اليوم ملايين المسلمين. وكل هذه الملايين من أتباع اليهودية أو البوذية أو الإسلام يقرون بأن مؤسسي دياناتهم قد ماتوا، ولم يقم أحد منهم من تراب الأرض.

وتقوم المسيحية على حقيقة قيامة المسيح، فقد قال هو إنه ذاهب لأورشليم ليُصلب وفي اليوم الثالث يقوم. ولو أن القيامة باطلة لكانت المسيحية كلها باطلة، ولو أنها صحيحة لوجب أن نصدق كل ما قاله المسيح.

وتوضح القيامة أن المسيح هو فعلاً ابن اللّه لأنه أولاً قام من الموت بقوته الشخصية. كان له السلطان أن يبذل نفسه للموت، وله السلطان أن يأخذها أيضاً (يوحنا 10: 18). ولا تناقض هنا بين القول إن الآب أقامه أو أنه أقام نفسه، فإن الابن قادر أن يفعل كل ما يفعله الآب، كما يُعزى الخَلْق وغيره من الأعمال إلى الآب وإلى الابن وإلى الروح القدس.

ثانياً إن المسيح قد أعلن أنه ابن اللّه، وقيامته تصديق من الآب على صدق ما أعلنه المسيح. فلو أن المسيح بقي في قبره، رغم إعلانه أنه سيقوم، لكان هذا يعني أن اللّه لم يوافق على ذلك الإعلان بأنه ابن اللّه. أما وقد أقامه من الموت، فهذا معناه أن اللّه يقول: أنت ابني، وإنني اليوم أعلن هذه الحقيقة على الملأ.

ولقد بنى بطرس موعظته، يوم الخمسين، على حقيقة القيامة، حتى أنه لو انتفت القيامة لسقطت العقيدة المسيحية كلها. ويوضح بطرس أن القيامة: (1) توضيح لموت المسيح. (2) تحقيق للنبوات عن المسيا المخلِّص الآتي. (3) شهد بها الرسل جميعاً. (4) سرّ انسكاب الروح القدس. (5) شهادة على مكانة يسوع الناصري كالمسيح الملك. وهكذا نرى أن كل ما قاله بطرس عن المسيح يعتمد ويقوم على حقيقة القيامة، فبناء الموعظة المسيحية الأولى مؤسس على القيامة.

ويقول أدولف هارناك، أحد منكري قيامة المسيح: نَبَعت ثقة التلاميذ الوطيدة في المسيح من إيمانهم بأنه لم يبق في القبر، ولكن اللّه أقامه. ولقد رأوا بأنفسهم أنه قام يقيناً، كما رأوا أنه مات يقيناً، فأصبحت القيامة هي الموضوع الرئيسي لكرازتهم (10).

ولقد أثَّرت حقيقة القيامة على حياة المسيحيين الأولين. فتراها متغلغلة في كل العهد الجديد، ومرسومة على القبور في سراديب روما (الكاتاكومبز) وملحَّنة في الترانيم القديمة، ومأخوذة كأساس لكل كتابات الدفاع عن المسيحية في القرون الأربعة الأولى، وكمركز لكل عظات الآباء قبل مجمع نيقية وبعده، وكعقيدة راسخة في كل قوانين الإيمان. لقد كان مركز الفكر المسيحي يسوع والقيامة ، فإن الإيمان بالقيامة نسيج كيان الكنيسة، ومن أجمل ما قيل: صار قبر المسيح الفارغ مهد الكنيسة .

ويقول سبارو سمبسون: لو لم يكن المسيح قد قام لبقيت شوكة الموت المؤلمة ومعها كل نتائج الخطية، ولبقي المؤمنون بالمسيح بَعْدُ في خطاياهم كما كانوا قبل سماعهم باسم يسوع! وفوق هذا كله لصار المسيح كاذباً، فإنه قدَّم أوراق اعتماده كمخلّص للعالم على أنه المخلص الحي المقام .

وقد دار الهجوم كله ضد المسيحية حول القيامة، لأن المسيحيين جعلوها أساس إيمانهم، التي بدونها لا يكون لإيمانهم أساس!

والمسيحية ديانة تاريخية، تعلن أن اللّه عمل في تاريخ البشر، وعلى هذا فإن صدق القيامة تاريخياً دليل قوي على صدق المسيحية!

ولقد قامت القيامة كقلعة للإيمان المسيحي، قلبت العالم كله في القرن الأول الميلادي،ورفعت المسيحية فوق اليهودية، وفوق كل ديانات حوض البحر الأبيض المتوسط. وما أصدق القول: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ! (1 كورنثوس 15: 17).

ثانياً: إعلان المسيح أنه سيقوم من الموت

راجع الشواهد التالية:

متى 12: 38 - 40 ، 16: 21 ، 17: 9 ، 17: 22 ، 23 ، 20: 18 و19 ، 26: 32 ، 27: 63.

مرقس 8: 31 - 9: 1 ، 9: 10 و 31 ، 10: 32 - 34 ، 14: 28 و58.

لوقا 9: 22 - 27.

يوحنا 2: 18 - 22 ، 12: 34 ، أصحاحات 14: 16.

فنقرأ في:

متى 16: 21 مِنْ ذ لِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيراً مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ .

متى 17: 9 وَفِيمَا هُمْ نَازِلُونَ مِنَ الْجَبَلِ أَوْصَاهُمْ يَسُوعُ قَائِلاً: لَا تُعْلِمُوا أَحَداً بِمَا رَأَيْتُمْ حَتَّى يَقُومَ ابْنُ الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَمْوَاتِ .

متى 17: 22 و 23 وَفِيمَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ فِي الْجَلِيلِ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: ابْنُ الْإِنْسَانِ سَوْفَ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ فَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ . فَحَزِنُوا جِدّاً .

متى 20: 18 ، 19 هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَابْنُ الْإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِا لْمَوْتِ، وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى الْأُمَمِ لِكَيْ يَهْزَأُوا بِهِ وَيَجْلِدُوهُ وَيَصْلِبُوهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ .

متى 26: 32 وَلكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ .

مرقس 9: 10 فَحَفِظُوا الْكَلِمَةَ لِأَنْفُسِهِمْ يَتَسَاءَلُونَ: مَا هُوَ الْقِيَامُ مِنَ الْأَمْوَاتِ؟ .

لوقا 9: 22 - 27 يَنْبَغِي أَنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ يَتَأَلَّمُ كَثِيراً، وَيُرْفَضُ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ . وَقَالَ لِلْجَمِيعِ: إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي. فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي فَهذَا يُخَلِّصُهَا. لِأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الْإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ، وَأَهْلَكَ نَفْسَهُ أَوْ خَسِرَهَا؟ لِأَنَّ مَنِ استَحَى بِي وَبِكَلَامِي، فَبِهذَا يَسْتَحِي ابْنُ الْإِنْسَانِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِهِ وَمَجْدِ الْآبِ وَالْمَلَائِكَةِ الْقِدِّيسِينَ. حَقّاً أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ه هُنَا قَوْماً لَا يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللّهِ .

يوحنا 2: 18 - 22 أَجَابَ يَسُوعُ: انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ وَفِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ . فَقَالَ الْيَهُودُ: فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً بُنِيَ هذَا الْهَيْكَلُ، أَفَأَنْتَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تُقِيمُهُ؟ وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ عَنْ هَيْكَلِ جَسَدِهِ. فَلَمَّا قَامَ مِنَ الْأَمْوَاتِ، تَذَكَّرَ تَلَامِيذُهُ أَنَّهُ قَالَ هذَا، فَآمَنُوا بِا لْكِتَابِ وَالْكَلَامِ الّذِي قَالَهُ يَسُوعُ .

واضح من هذا كله أن المسيح تنبأ بقيامته، وأن تلاميذه لم يفهموا قصده، لكن اليهود أخذوا كلامه مأخذ الجدّ. وعندما يقول شخص إنه سيموت ثم يقوم بعد ثلاثة أيام. فإننا نحكم عليه بأنه مختلّ العقل ومحتاج إلى علاج نفسي. وما لم يتحقق ما قاله فعلاً فإن ذلك يكون وبالاً عليه وعلى تابعيه. ولم يحدث أن مؤسس دين من الأديان قال مثل ما قاله يسوع عن نفسه من جهة قيامته.

منذ بضع سنوات حاول محام بريطاني غير مؤمن أن يبرهن خطأ القيامة، وبعد درس مضنٍ واطّلاع واسع وصل فرنك موريسون إلى أن القيامة صحيحة، فكتب كتاباً بعنوان من دحرج الحجر؟ (مترجم إلى العربية وصادر عن نداء الرجاء) قال فيه إن الذي يتنبأ بموته وقيامته بمثل هذه الدقة لا بد أن يكون صادقاً!

ونلاحظ أن يسوع لم يتحدث عن موته إلا وذكر أنه سيقوم. وبولس في مطلع رسالته إلى رومية يقول إن المسيح تعيَّن ابن اللّه بقوة بالقيامة من الأموات.

ثالثاً: معالجة تاريخية

1 - القيامة حادثة تاريخية:

قيامة المسيح حادثة تاريخية محددة، حدثت في زمن معيَّن وفي مكان محدَّد. صحيح أن لها معنى لاهوتياً ولكنها حقيقة تاريخية. صحيح أنها غير طبيعية، لكن الواضح أن قبر المسيح وُجد فارغاً.

كان القبر مملوكاً لرجل غني عاش في النصف الأول من القرن الأول الميلادي، وكان محفوراً في صخر أحد التلال القريبة من أورشليم، فلم يكن شيئاً وهمياً. وكان الحراس جنوداً من لحم ودم أحاطوا بالقبر. ومجلس السنهدريم الذي انعقد ليبحث مشكلة القبر الفارغ مجلس معروف. ويسوع شخص تاريخي، وتلاميذه أشخاص حقيقيون، أكلوا وشربوا وناموا وتألموا. هذه كلها ليست أوهاماً ولكنها حقائق ثابتة.

ويقول أغناطيوس، أسقف أنطاكية (50 - 115 م) وتلميذ الرسول يوحنا، وهو مواطن سوري، في رسالة كتبها وهو في الطريق إلى روما ليلقَى حتفه في أفواه الأسود كشهيد مسيحي: صُلب المسيح في حكم بيلاطس البنطي، ومات فعلاً تحت بصر السماء والأرض وما تحت الأرض. وقام في اليوم الثالث. حُكم عليه في الساعة الثالثة (أي 9 صباحاً) من يوم الاستعداد ونُفِّذ الحكم في الساعة السادسة، وفي الساعة التاسعة أسلم الروح، ودُفن قبل غروب الشمس، وبقي يوم السبت في قبر يوسف الرامي.

لقد حُمل به في البطن كما يحدث لنا، ووُلد كما نولد نحن، وتغذّى باللبن، وأكل وشرب فعلاً وحقاً كما نفعل نحن. وبعد أن عاش وسط الناس ثلاثين سنة، عمَّده يوحنا المعمدان فعلاً وليس خيالاً. وبعد أن بشر بالرسالة المفرحة ثلاث سنوات وعمل معجزات وعجائب - ومع أنه الديَّان - أدانه اليهود زوراً وحكم عليه بيلاطس ظلماً، وجُلد وضُرب على خده وتُفل عليه ولبس تاجاً من شوك وثوباً أرجوانياً، وصُلب فعلاً، لا بالخيال ولا بالمظهر ولا بالخداع، لقد مات حقاً ودُفن وقام من بين الأموات .

ويقول المؤرخ ألفرد إدرشايم في كتابه حياة يسوع المسيح وزمانه :

كاد يوم الربيع القصير أن يصل إلى مساء السبت . وكان أمر الشريعة أن لا يبقى جسد المجرم معلقاً لصباح اليوم التالي. وربما تغاضى اليهود عن أن يطلبوا من بيلاطس تقصير آلام المصلوبين، لأن الموت بالصليب كان يستغرق أحياناً أياماً. ولكنهم طالبوا بيلاطس بإنزال جسد المسيح قبل السبت، لأنه كان يوم سبت، وثاني أيام عيد الفصح .

وقال جستن الشهيد (100 - 165 م) الفيلسوف والشهيد والمدافع عن المسيحية بعد أن درس الرواقية وفلسفة أرسطو وفيثاغورس وأفلاطون قال: وجدت فلسفة المسيح وَحْدها أمينة ونافعة. وقد اكتشفتُ أن فلسفات العالم تقدّم مجرد افتراضات عقلية، أما المسيحية فهي التي تقدم اللّه نفسه فعّالاً في الزمن والمكان بواسطة المسيح وهو يقول: وُلد المسيح منذ 150 سنة تحت حكم كيرنيوس... في زمن بيلاطس البنطي .

ويقول ترتليان أسقف قرطجنة (160 - 220 م) تضايق قادة اليهود من تعاليمه لأن الشعب انحاز إليه، فجرُّوه أمام بيلاطس البنطي، والي سوريا الروماني، وبصراخهم استصدروا عليه حكم الموت صلباً .

وكتب المؤرخ اليهودي يوسيفوس في القرن الأول الميلادي: وفي نحو ذلك الوقت عاش رجل حكيم اسمه يسوع - إن كان يحقّ أن تدعوه إنساناً، لأنه عمل معجزات عظيمة. كان معلماً مقتدراً تلقَّى الناس تعاليمه بفرح، فجذب إليه الكثيرين من اليهود واليونانيين. هذا الرجل كان المسيح. حكم بيلاطس عليه بالصلب، بناءً على اتهام الرجل الكبير فينا، أما الذين أحبوه منذ البدء فلم يتركوه، لأنه ظهر لهم حياً في اليوم الثالث. ولقد سبق أن تحدث عنه الأنبياء القديسون بهذه الأمور وبآلاف الأشياء العجيبة. وحتى اليوم لا زال يوجد أتباعه المسيحيون .

ولقد حاول البعض أن يبرهنوا أن هذه الكتابة مدسوسة على يوسيفوس، لكننا نرى أن المؤرخ يوسابيوس اقتبسها عن يوسيفوس في القرن الرابع الميلادي، ويوسيفوس قد كتب لإرضاء الرومان، ولم يكن ممكناً أن يكتب ذلك - وهو ما لا يرضيهم - لو لم يكن ذلك هو الحق الثابت.

ويورد العهد الجديد لنا قصة التغيير العجيب الذي طرأ على حياة تلاميذ المسيح. فأولئك الخائفون صاروا شجعاناً لأنهم عرفوا أن يسوع حي. ويقول لوقا إن المسيح أراهم نفسه حياً ببراهين كثيرة (أعمال 1: 3). وكلمة أراهم تعني الدليل الملموس القوي، فقد آمن الرسل بالقيامة بعد أن رأوا ولمسوا بحواسهم، ونقلوا شهادتهم لنا. وعلى هذا فالقيامة قصة تاريخية صادقة - بكل المقاييس - وهي حافز قوي على الإيمان بالمسيح مخلّصنا.

وقد جمع لوقا سفر الأعمال ما بين عام 63 و 70 م، ويوضح في مقدمة إنجيله أنه جمع معلوماته من مصادر موثوق بها لأنهم شهود عيان، وتابع تقديم ما وصل إليه في سفر الأعمال. وكثيراً ما يقول نحن مما يدل على أنه قد كتب هو ما رآه شخصياً. لقد عاش لوقا وسط الأحداث والكرازة فهو من شهود العيان الأولين. وقبلت الكنيسة الأولى سفر أعمال الرسل، ولا بد أنها كانت تعرف تاريخها تماماً، وقبول الكنيسة منذ البداية لهذا السفر دليل على صحة ما جاء به من معلومات تاريخية.

ورسائل العهد الجديد دليل تاريخي - لا يُدحض - على صحة القيامة، فقد كتب بولس رسائله إلى غلاطية وكورنثوس ورومية في أثناء رحلاته التبشيرية، ويرجع تاريخها إلى 55 - 58 م، وهذا تاريخ قريب من حادثة القيامة (بعدها بفترة لا تتجاوز خمسة وعشرين عاماً فقط). ولما كان ما كتبه في الرسالة هو نفسه الذي سبق فكرز لهم به، فإن تاريخ الكرازة أكثر قُرباً لحادثة القيامة.

والذي يقرأ قصة الأناجيل عن الصلب والقيامة يرى التوسع الكامل في الرواية، فالكاتب يعطي تفاصيل دقيقة، ويوضّح أن القيامة تنفيذ لخطّة اللّه السابقة لحياة المسيح، وتكملة طبيعية للحياة فوق الطبيعية التي عاشها المسيح ابن اللّه وابن الإنسان.

القيامة إذاً حادثة تاريخية، والبرهان الذي نسوقه على صحتها برهان تاريخي. ولقد جعلت الكنيسة الأولى شروطاً لمن يُعتبر رسولاً، أولها أن يكون قد شاهد القيامة (أعمال 1: 22). وقال بولس في عظته لأهل أثينا إن جوهر تعليمه هو يسوع والقيامة (أعمال 17: 18). وهكذا قال بطرس في عظته: يَسُوعُ هذَا أَقَامَهُ اللّ هُ، وَنَحْنُ جَمِيعاً شُهُودٌ لِذ لِكَ (أعمال 2: 32).

ولقد قوِيَ إيمان الرسل بالمسيح بعد أن قام، ومنحتهم قيامته شجاعة وعزماً وجعلتهم يحتملون كل اضطهاد.

2 - شهادة التاريخ والقانون:

عندما تحدث حادثة ويراها عدد كبير من الأحياء، أو يشترك فيها عدد كبير منهم، ثم يُسجَّل في كتاب يُنشر دون أن يعترض هؤلاء على ما جاء به، فإن ذلك دليل لا يُدحَض على صحة الحادثة. ويسمى هذا البرهان من الظروف . وفي قصة الأناجيل نرى الكتَّاب الأربعة يعتبرون حادثة القيامة أهم حوادث حياة المسيح، التي يعتمد عليها كل الإيمان. ويورد كتَّاب الأناجيل، كما يورد بولس، أسماء الذين رأوا المسيح بعد قيامته. ويمكن القول إن البرهان على صدق القيامة أقوى من أي برهان على أي معجزة أخرى، بل أن بولس يقول: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضاً إِيمَانُكُمْ (1 كورنثوس 15: 14).

ولعل أكبر دليل على صدق العهد الجديد أنه كُتب بعد حادثة القيامة بنحو ثلاثين أو أربعين سنة ليقرأه أناس عاصروا الحوادث المسجَّلة فيه واشتركوا فيها، فلا بد أن تكون الرواية صحيحة، خصوصاً وأن عدد الأعداء كان كبيراً! ولنفترض أن مؤرخاً أراد تسجيل حياة ملك بعد وفاته بأربعين سنة أو أقل، هل يجرؤ أن يذكر أكاذيب؟ إن معاصري ذلك الملك سيُعلنون احتجاجهم. ويقول أمروز فلمنج: لم تتأسس المسيحية إذاً على أساطير أو خيالات، أو كما يقول بطرس، على خرافات مُصنَّعة ، لكنها تأسست على حقائق تاريخية، قد تبدو غريبة، لكنها صادقة، وهي أعظم ما حدث في تاريخ العالم .

ولقد حاول المحامي البريطاني فرنك موريسون أن يكتب كتاباً ضد القيامة، يحلّل فيه أحداث الأيام الأخيرة من حياة المسيح على الأرض. ولكنه عندما درس الحقائق بكل دقة اضطر أن يغيّر رأيه، وكتب كتابه في صفّ القيامة، وجعل عنوان الفصل الأول منه الكتاب الذي رفض أن يُكتب . أما عنوان الكتاب فهو من دحرج الحجر؟ ، وهو كتاب من أروع وأدق ما كُتب.

وقد كتب أحد المحامين لقسيس صديق له يقول: كمحامٍ درستُ بالتفصيل براهين حوادث القيامة، ووجدت البراهين قاطعة. وقد كسبت أحكاماً من المحكمة العليا في قضايا ببراهين أقل من البراهين التي وجدتها في قصة القيامة. إن الاستنتاج يتبع البرهان، والشاهد الصادق لا يزّوق الحقائق، ويزدري كل محاولة للتأثير. والبراهين على صدق القيامة من هذا النوع، وإنني كمحام أوافق - بدون أي تحفظ - على صدق القيامة من شهادة الشهود الصادقين (2).

وقال توماس أرنولد أستاذ التاريخ الحديث في أكسفورد: إن الآلاف المؤلَّفة من العلماء درسوا قصة القيامة بطريقة نقدية، وأنا واحد منهم. لقد اعتدْتُ دراسة التاريخ وتحليل حوادثه، والحكم على المؤرخين وبراهينهم. ولم أجد قصة أقوى برهاناً من قصة القيامة، فإنها تُقنع كل باحث مخلص عن الحق (3).

وقال اللورد لندهرست، وهو أكبر العقول القانونية التي أنجبتها بريطانيا، وبلغ أعلى المراتب القضائية فيها: إنني أعرف جيداً ما هو الدليل أو البرهان، وإنني أقول إن برهان قصة القيامة غير قابل للنقض (3).

من أشهر أساتذة القانون: سيمون جرينليف (1783 - 1853 م) من جامعة هارفارد. وقد كتب كتاباً عنوانه: فحص لشهادة البشيرين الأربعة حسب قوانين محاكم العدل قال فيه:

أعلن الرسل الحقائق العظيمة عن قيامة المسيح من الأموات، وأن رجاء الخلاص هو بالتوبة عن الخطية والإيمان به. وقد أعلن الرسل، بلسان واحد، هذا الإعلان وحده في كل مكان، في مواجهة المفشِّلات والفساد الأخلاقي والفكري. كان معلّمهم قد مات كمجرم صدر عليه حكم الإعدام. ولكنهم كانوا ينشدون نشر عقيدتهم لتحل محل كل العقائد الأخرى. كانت قوانين كل الدول ضد تعاليمهم، وكانت رغبات الحكّام وعواطفهم ضدهم، وكانت اتّجاهات الناس ضدهم، لكنهم حاولوا نَشْر عقائدهم باللطف والسلام، فواجهوا الاحتقار والكراهية والمقاومة والاضطهاد المرّ والجَلْد والسَّجن والتعذيب والموت بأساليب فظيعة. غير أنهم نشروا دينهم بكل غيرة، واحتملوا العذاب كلَّه بسرور. ومات الواحد منهم بعد الآخر، لكن الباقين أكملوا الرسالة في حماسة وعزم متزايدين، في بطولة تفوق كل بطولة عرفها العالم. لقد كانت أمامهم فرصة مراجعة إيمانهم وفحص الأدلة على صدقه، وكان من المستحيل أن يثبتوا على عقيدتهم لولا ثقتهم في صحتها المطلقة، وتأكدهم أن المسيح قد قام فعلاً من الأموات، وأن هذه هي الحقيقة اليقينية مثل أي حقيقة أخرى أكيدة. ولو أن أحداً خدعهم حتى صدقوا القيامة، فقد كانت تحيط بهم عوامل كثيرة تدفعهم ليُعيدوا التفكير ويكتشفوا الخديعة. ولم يكن ممكناً أن يستمروا في تصديق أكذوبة تعرِّضهم للاضطهاد القاسي من الخارج، والإحساس بالذنب من الداخل، بلا رجاء في السلام، ولا راحة للضمير، ولا انتظاراً لكرامة أو تقدير بين الناس، وبالجملة بلا رجاء في هذا العالم، ولا في العالم الآتي.

إن الدراسة تظهر أن الرسل كانوا أشخاصاً عاديين مثلنا في طبيعتهم، تحركهم ذات الدوافع، وتحدوهم ذات الآمال، وتحضُّهم ذات الأفراح، وتكتنفهم ذات الأحزان، وتؤثر فيهم ذات المخاوف، وتتعرَّض نفوسهم لذات التجارب والضعفات والعواطف مثلنا. وتدلّ كتاباتهم على رجاحة عقولهم. وما لم تكن شهادتهم صادقة فإننا لا نستطيع أن نرى دافعاً آخر لهم يجعلهم يخترعون خدعة لينشروها على الناس (4).

وحسناً قال كليفور هرشل مور أستاذ جامعة هارفارد: إن المسيحية عرفت أن مخلصها وفاديها ليس كباقي الآلهة الذين وردت أسماؤهم في الأساطير التي تلفُّها عناصر خرافية بدائية. فيسوع شخص تاريخي لا خرافي، فلا يوجد شيء خرافي في العقيدة المسيحية التي تأسست على حقائق إيجابية أكيدة .

ويقول بنيامين ورفيلد من جامعة برنستون: إن تجسد اللّه الأزلي هو بالضرورة مسألة عقيدة، فلا يمكن لعين بشرية أن تراه وهو يتنازل ليأخذ صورة الإنسان، ولا يمكن للسان بشري أن يشهد بذلك، ومع ذلك فلو لم يكن التجسد حقيقة لكان إيماننا باطلاً ولظللنا في خطايانا. أما قيامة المسيح فحقيقة ثابتة، حادثة وقعت فعلاً، تدخل في دائرة معرفة الإنسان وإدراكه، ويمكن إِثباتها بمختلف الشهادات والأدلة، وهي التعليم الأساسي في المسيحية، وعليها تتوقف باقي التعاليم .

قال أحد العلماء العظماء، الدكتور أيفي، رئيس قسم الكيمياء في جامعة إلينوي: أؤمن بقيامة المسيح الجسدية. أنا أؤمن وأقدر أن أدافع عن إيماني بالعقل.. صحيح أنني لا أقدر أن أبرهن إيماني هذا بذات الطريقة التي أبرهن بها بعض الحقائق العلمية. ولكن بعض هذه الحقائق كان غامضاً منذ مئة سنة كما لا تزال حقيقة القيامة اليوم. وعلى أساس البرهان التاريخي للمعلومات البيولوجية الراهنة، فإن العالِم الأمين لفلسفة العلم يمكن أن يشكّ في قيامة المسيح بالجسد، لكنه لا يملك أن ينكرها، لأن هذا يعني أنه يستطيع أن يبرهن أنها لم تحدث. صحيح أن علم البيولوجي اليوم يقول إننا لا نقدر أن نقيم جسداً مات وقُبر منذ ثلاثة أيام، ولكن إنكار قيامة المسيح على أسس علم البيولوجي كما هي الآن، هو موقف غير علمي حسب معرفتي بفلسفة الموقف العلمي السليم. (5).

في عام 1747 أصدر عالمان كتاباً... وقصة إصداره أن شابين هما جلبرت وست ولورد لتلتون عزما على مهاجمة الكتاب المقدس، فقرر لتلتون أن يثبت أن شاول الطرسوسي لم يصر مسيحياً. وعزم وست على برهنة أن المسيح لم يُقم من قبره!

والتقيا بعد وقت لدراسة ما وصلا إليه، فإذا كُلٌّ منهما قد اكتشف عكس ما كان يريد إثباته، فكتبا كتاباً عنوانه: ملاحظات على تاريخ قيامة المسيح وبراهينها وكتبا على غلافه لا تلوموا قبل أن تفحصوا الحقائق . (6) وقد ذكرا فيه: إن الأدلة قاطعة أنه في اليوم الثالث قام يسوع من بين الأموات. وهي نفس النتيجة التي وصل إليها لورد دارلنج كبير قضاة إنجلترا، ففي إحدى المآدب دار الحديث حول صحة المسيحية، وبخاصة موضوع القيامة... فقال لورد دارلنج بكل مهابة وحزم: نحن المسيحيين مطالبون بأن نقبل أشياء كثيرة بالإيمان، مثل تعاليم يسوع ومعجزاته. ولو كان علينا أن نقبل كل شيء بالإيمان، لراودني الشك، ولكن ذروة المسألة هي ما يختصّ بحقيقة: هل عاش يسوع فعلاً وماذا قال عن نفسه؟ وكل ذلك يستند إلى حقيقة القيامة، فعلى هذه الحقيقة يرتكز إيماننا، والأدلة على هذه الحقيقة أدلة قاطعة حاسمة إيجابياً وسلبياً، سواء من جهة الوقائع أو الظروف، حتى أنه لا يوجد رجل قانون عاقل يتردد في الحكم بصحة قصة القيامة .

3 - شهادة آباء الكنيسة الأولين:

احتلَّت القيامة المكانة الثانية بعد مكانة تجسُّد المسيح في كتابات آباء الكنيسة. ولقد دلل الآباء الأولون على صحة القيامة منذ بدء المسيحية، فذكرها أكليمندس الروماني في رسالته إلى كورنثوس (95 م). كما أوردتها كل قوانين الإيمان ولم يعارضها أحد.

وقال إغناطيوس (50 - 115 م) إن المسيحية هي الإيمان بالمسيح والمحبة له، الإيمان بآلامه وقيامته وهو يدعو كل مسيحي ليقتنع اقتناعاً عميقاً بالميلاد والآلام والقيامة ويقول إن رجاءنا هو قيامة المسيح، لأن قيامته وعد بقيامتنا. ويقول أغناطيوس إن الكنيسة تفرح بآلام المسيح وقيامته، ويقول إن القيامة كانت بالروح وبالجسد (7).

وفي رسالة بوليكاربوس لأهل فيلبي (حوالي 110 م) يتحدث عن المسيح الذي احتمل حتى الموت لأجل خطايانا، ولكن اللّه أقامه ناقضاً أوجاع الموت ويقول: إن اللّه أقام ربنا يسوع من الأموات وأعطاه مجداً، وعرشاً عن يمينه، وأخضع له كل ما في السماء والأرض والمسيح المقام آت ليدين الأحياء والأموات وإن الذي أقامه من الأموات سيقيمنا نحن أيضاً، إن كنا نفعل مشيئته ونسلك في وصاياه . وكانت صلاة بوليكاربوس الأخيرة قبل استشهاده أن يكون له نصيب في عداد الشهداء في كأس المسيح، إلى قيامة الحياة الأبدية للروح والجسد في عدمفساد .

أما حديث جستن الشهيد عن القيامة (100 - 165 م) فهو دفاع عن العقيدة المسيحية، وكان معاصروه يقولون إن القيامة مستحيلة، بل إنها غير مطلوبة، لأن الجسد هو مصدر الشر، بل أنها غير معقولة لأنه لا معنى لاستمرار أعضاء الجسد. وكان المعاصرون يقولون إن قيامة المسيح شُبِّهت لهم، ولكنها لم تكن حقيقة بالجسد. وجاوب جستن على هذه الأفكار، ودحضها.

أما ترتليان فقد كان مدافعاً عن المسيحية (160 - 165 م) وكتب باللغتين اليونانية واللاتينية في جميع فروع الثقافة من قانون وسياسة وبلاغة. وبعد أن عاش ثلاثين أو أربعين سنة في حياة الخلاعة، اعتنق المسيحية ضد الوثنيين واليهود والهراطقة. وكان مدافعاً قوياً عن الإيمان.

رابعاً - مشاهد حول حادثة القيامة

1 - المسيح مات:

يسجل مرقس ما يلي بعد محاكمة المسيح:

فَبِيلَاطُسُ إِذْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ لِلْجَمْعِ مَا يُرْضِيهِمْ، أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ، وَأَسْلَمَ يَسُوعَ بَعْدَمَا جَلَدَهُ لِيُصْلَبَ. a>فَمَضَى بِهِ الْعَسْكَرُ إِلَى دَاخِلِ الدَّارِ الّتِي هِيَ دَارُ الْوِلَايَةِ، وَجَمَعُوا كُلَّ الْكَتِيبَةِ. وَأَلْبَسُوهُ أُرْجُواناً، وَضَفَرُوا إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَيْهِ، وَابْتَدَأُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ: السَّلَامُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ! وَكَانُوا يَضْرِبُونَهُ عَلَى رَأْسِهِ بِقَصَبَةٍ، وَيَبْصُقُونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَسْجُدُونَ لَهُ جَاثِينَ عَلَى رُكَبِهِمْ. وَبَعْدَمَا استَهْزَأُوا بِهِ، نَزَعُوا عَنْهُ الْأُرْجُوانَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجُوا بِهِ لِيَصْلِبُوهُ (مرقس 15: 15 - 20).

ولكي يُجلد المجرم كانوا يجرّدونه من ثيابه ويربطونه إلى عامود، ثم تنهال عليه الضربات الوحشية من عساكر متخصّصين. ومع أن اليهود كانوا يحددون عدد الجلدات بأربعين، إلا أن الرومان لم يجعلوا للجلدات حدوداً، فكان المجلود تحت رحمة جلاَّديه. وكان سوط الجلد ذا نهايات بها قطع معدنية تمزق بدن المجلود. وقد وصف الأسقف يوسابيوس القيصري (ومؤرخ الكنيسة من القرن الثالث الميلادي) آثار الجَلْد بقوله إن عضلات وأعصاب وأحشاء المجلود كانت تبرز من مكانها.

وبعد أن احتمل المسيح آلام الجلد، كان عليه أن يحمل صليبه إلى الجلجثة مكان الصلب..

1 - ولا بد أن التجهيز لهذه المسيرة كان سبب ألم شديد للمسيح، فيقول متى: وَبَعْدَ مَا استَهْزَأُوا بِهِ، نَزَعُوا عَنْهُ الرِّدَاءَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ، وَمَضَوْا بِهِ لِلصَّلْبِ (متى 27: 31). ولا شك أن نزع الرداء وإلباسه ثيابه على الجروح سبَّبت الألم الكثير.

2 - إن عبارة مرقس وجاءوا به إلى موضع جلجثة (مرقس 15: 22) تعني أن يسوع عجز عن السير، فحملوه قسراً إلى موضع الصلب! وهكذا انتهت آلام التجهيز للصلب، لتبدأ عذابات الصلب نفسه (8)!.

ويسجل مرقس قصة الصلب، فيقول:

وَجَاءُوا بِهِ إِلَى مَوْضِعِ جُلْجُثَةَ الّذِي تَفْسِيرُهُ مَوْضِعُ جُمْجُمَةٍ . وَأَعْطَوْهُ خَمْراً مَمْزُوجَةً بِمُرٍّ لِيَشْرَبَ فَلَمْ يَقْبَلْ. وَلَمَّا صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا: مَاذَا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ؟ وَكَانَتِ السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ فَصَلَبُوهُ. وَكَانَ عُنْوَانُ عِلَّتِهِ مَكْتُوباً مَلِكُ الْيَهُودِ . وَصَلَبُوا مَعَهُ لِصَّيْنِ، وَاحِداً عَنْ يَمِينِهِ وَآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ. فَتَمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ . وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ، وَهُمْ يَهُّزُونَ رُؤُوسَهُمْ قَائِلِينَ: آهِ يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ! خَلِّصْ نَفْسَكَ وَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ! وَكَذ لِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَهُمْ مُسْتَهْزِئُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَعَ الْكَتَبَةِ قَالُوا: خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا. لِيَنْزِلِ الْآنَ الْمَسِيحُ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ عَنِ الصَّلِيبِ، لِنَرَى وَنُؤْمِنَ . وَاللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ كَانَا يُعَيِّرَانِهِ.

وَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ السَّادِسَةُ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الْأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: إِلُوِي إِلُوِي لَمَا شَبَقْتَنِي؟ (اَلَّذِي تَفْسِيرُهُ: إِل هِي إِل هِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟) فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ لَمَّا سَمِعُوا: هُوَذَا يُنَادِي إِيلِيَّا . فَرَكَضَ وَاحِدٌ وَمَلَأَ إِسْفِنْجَةً خَلاًّ وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ قَائِلاً: اتْرُكُوا. لِنَرَ هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا لِيُنْزِلَهُ! a>فَصَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ. وَانْشَقَّ حِجَابُ الْهَيْكَلِ إِلَى اثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. وَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ الْوَاقِفُ مُقَابِلَهُ أَنَّهُ صَرَخَ هكَذَا وَأَسْلَمَ الرُّوحَ، قَالَ: حَقّاً كَانَ هذَا الْإِنْسَانُ ابْنَ اللّهِ! (مرقس 15: 22 - 39).

إن أهوال الصليب أرهب من كل تصّوُر، حتى أن شيشرون خطيب روما الشهير يقول: يجب ألا ترِدَ كلمة الصليب على شفاه مواطني روما، بل يجب ألاَّ تخطر على بالهم أو تمرّ أمام عيون خيالهم أو تطرق مسامعهم .

بعد أن قضى يسوع ليلة بلا نوم، لم يُعطَ خلالها أي طعام، واحتمل السخرية في محاكمتين، وجُلد بفظاعة، حملوه إلى مكان الصلب، أشنع وسيلة للإعدام، فيه كانت كل خلايا جسد المصلوب تصرخ من الألم.

كان موت الصليب يحمل العذاب كله: الدوخة، التوتر، العطش، الجوع، عدم النوم، الحمى، التسمُّم، الخزي والعار، استمرار التعذيب، الموت البطيء من الجروح... آلام رهيبة خالية من أي أثر للرحمة ولكنها دون حد الإغماء فلا يمكن للمصلوب أن يستريح ولو قليلاً من آلامه.

وكان وضع المصلوب عذاباً، فكل جسمه مشدود، وجروحه معرَّضة للجّو والحشرات.. وتحتقن رأسه ورئتاه بالدماء، ويزيد العطش الشديد المستمر آلامه.. كل هذه الآلام تجعل من لحظة الموت رحمة!

وقد استغرب بيلاطس لما عرف بسرعة موت المسيح، فسأل قائد المئة الذي قال إنه مات فعلاً. وكان الجنود الرومان يعرفون ما هو الموت، بعد أن مارسوه في كل مكان. وكانت العادة أن يفحص المصلوب أربعة من جلاديه ليعطوا شهادة بوفاته. ولا بد أن الأربعة فحصوا جسد يسوع وتأكدوا تماماً من موته، قبل أن يسمح بيلاطس ليوسف الرامي أن يأخذه (6).

وَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ الْوَاقِفُ مُقَابِلَهُ أَنَّهُ صَرَخَ هكَذَا وَأَسْلَمَ الرُّوحَ، قَالَ: حَقّاً كَانَ هذَا الْإِنْسَانُ ابْنَ اللّهِ,,, فَتَعَجَّبَ بِيلَاطُسُ أَنَّهُ مَاتَ كَذَا سَرِيعاً. فَدَعَا قَائِدَ الْمِئَةِ وَسَأَلَهُ: هَلْ لَهُ زَمَانٌ قَدْ مَاتَ؟ وَلَمَّا عَرَفَ مِنْ قَائِدِ الْمِئَةِ، وَهَبَ الْجَسَدَ لِيُوسُفَ (مرقس 15: 39 و44 و45).

ولا شك أن الجنود الذين أنزلوا الجسد تأكدوا أن صاحبه قد مات.

ويقول البشير يوحنا إن العسكر لَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ، لِأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ. ل كِنَّ وَاحِداً مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ، وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ (يوحنا 19: 33 ، 34).

ويقول الدكتور صموئيل هفتن أستاذ الفسيولوجيا من جامعة دبلن، التعليقات التالية على موت المسيح:

عندما طعن الجندي جنب المسيح كان قد مات، وخروج الدم والماء قد يكون ظاهرة طبيعية قابلة للتفسير، أو أنه معجزة. ويبدو من رواية يوحنا أنه لو لم تكن هذه معجزة فإنها على الأقل ليست ظاهرة عادية، ويظهر هذا من تعليق يوحنا على هذا بأنه كان شاهد عيان صادق للرواية.

ومن ملاحظاتي على الإنسان والحيوان في معمل التجارب وجدت النتائج التالية: عندما يُطعن الجسد في الجانب الأيسر، بعد الوفاة، بسكين كبيرة تساوي في الحجم حربة الجندي الروماني، فإن النتائج التالية يمكن أن تحدث:

1 - لا يخرج شيء إلا قطرات قليلة من الدم.

2 - يخرج سيل من الدم فقط من الجرح.

3 - دفق من الماء فقط تتبعه قطرات قليلة من الدم.

وفي هذه الحالات الثلاث تغلب الحالة الأولى. أما الحالة الثانية فتحدث في حالات الموت غرقاً أو بتسمّم الاستركنين. وقد تحدث في الحيوان الذي يموت بهذا السم، ويمكن البرهنة على أنها الحالة العادية للشخص المصلوب. أما الحالة الثالثة فتحدث في حالة الموت بذات الجنب أو التهاب التامور أو تمزق القلب.

وهناك حالتان لم تُسجلا في كتب (إلا في إنجيل يوحنا) ولم يكن من حظي أن ألتقي بهما:

4 - سيل غزير من الماء يتبعه سيل غزير من الدم، عند الجرح.

5 - سيل غزير من الدم يتبعه سيل غزير من الماء، عند الجرح.

ويُحدث الصَّلب احتقان الرئتين بالدم كما في حالة الغرق أو التسمم بالاستركنين. وتحدث الحالة الرابعة للمصلوب الذي يعاني قبل الصلب من حالة انسكاب رئوي. أما الحالة الخامسة فتظهر في المصلوب الذي يموت على الصليب نتيجة انفجار أو تمزق في القلب. ودراسة تاريخ الأيام الأخيرة من حياة المسيح، تظهر أنه لم يكن مصاباً بحالة انسكاب رئوي قبل الصلب. وعلى هذا لا يبقى أمامنا إلا احتمال خروج الدم والماء من جنب المسيح بسبب الصلب وتمزق القلب أو انفجاره. وأعتقد أن هذا الفرض الأخير هو الصحيح، ويتفق معي فيه الدكتور وليم ستراود ِStroud (9).

ويمضي الدكتور هفتن فيقول إن يوحنا لم يكن في إمكانه أن يخترع قصة خروج الدم والماء، فإن روايته رواية شاهد عيان يتعجب مما يراه، ويعتبر أن معجزة قد صاحبت الصلب (9).

مع أن هذه الطعنة في جنب المسيح، لو جاءته وهو حي لتدفَّق دم فقط مع كل نبضة من قلبه، لكن هذه الرواية الإنجيلية من البشير الذي لم يدرس الباثولوجي تبرهن لنا أن المسيح قد مات فعلاً (6).

وأخذ يوسف جسد يسوع بعد أن تأكد بيلاطس من قائد المئة أن يسوع قد مات، ولفَّه بالأكفان مع الأطياب، وهذا برهان على موت يسوع، فإن رائحة الأطياب النفاذة كانت تعيد إليه صوابه لو أنه كان مغمى عليه. إن لف جسده بثوب كتاني وتغطية وجهه بمنديل كما لليهود عادة أن يُكفّنوا برهان على موت المسيح.

ولو أن المسيح كان حياً ووُضع في القبر المنحوت في الصخر لمات فيه، لأنه عندها سيحتاج إلى الهواء الطلق، كما أن رائحة الأطياب كانت ستؤثر عليه تأثيراً مميتاً.

لقد مات يسوع مصلوباً وَالذِي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَقٌّ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ (يوحنا 19: 35).

2 - القبر:

يذكر البشيرون الأربعة القبر 32 مرة وهم يروون قصة القيامة، لأن القبر الفارغ كان موضع اهتمامهم البالغ.

لم يكن الرومان يهتمون بدفن المصلوب، بل كانوا يتركون جثته للطيور. لكن اليهود كانوا يهتمون بدفن الميت. صحيح أنه كانت هناك استثناءات لهذه القاعدة، لكن العادة المتَّبعة كانت دفن المصلوب. وكان أفراد العائلة يتقدمون لدفن الجسد، أما في حالة المسيح فقد تقدم يوسف الرامي ليدفن الجسد.

وقد وصف يوسابيوس القيصري - أبو التاريخ الكنسي - قبر المسيح الذي اكتشفته الامبراطورة هيلانة، قال: أما القبر نفسه فكهف محفور في الصخر، لم يحدث أن دُفن فيه أحد آخر. ومن المدهش أن ترى هذه الصخرة قائمة وحدها على أرض مستوية بها كهف واحد. ولو كان هناك أكثر من كهف لصارت معجزة قيامته غامضة .

وقال رجل الحفريات ويليس الأستاذ بجامعة كامبريدج وصفاً لقبور ذلك الزمن: هناك حفر مجّوَف بعمق بوصة أو بوصتين ليوسَّد فيه الجسد، ومكان مرتفع كالوسادة لتُوضع عليه الرأس. وتوجد فتحة مستطيلة الشكل في واجهة القبر، عتبتها السفلى أعلى من أرضية القبر، ويسمح اتساعها بمرور الجسد إلى الداخل وأعلاها مقّوَس (10).

ويقول الأستاذ جوينبر في كتابه يسوع صفحة 500 العبارة التالية: الحق أننا لا نعرف، وغالباً لم يكن التلاميذ أنفسهم يعرفون أين أُلقي جسد يسوع بعد إنزاله من على الصليب بواسطة جلاديه على الأرجح. والأغلب أنه أُلقي في حفرة المصلوبين، أكثر من أنه قد وُضع في قبر جديد (3).

1 - وهذا الأستاذ لا يقدم أي برهان على صِدْق نظريته.

2 - كما أنه يغفل شهادة شهود الأحداث الموجودة في الكتابات الدنيوية والكنسية من القرون الثلاثة الأولى.

3 - وهو يغفل قصة الأناجيل الواضحة.

(ا) لماذا نجد الحقائق التالية، إن لم يكن يوسف الرامي قد أخذ الجسد فعلاً؟

وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ، جَاءَ رَجُلٌ غَنِيٌّ مِنَ الرَّامَةِ اسمُهُ يُوسُفُ - وَكَانَ هُوَ أَيْضاً تِلْمِيذاً لِيَسُوعَ. فَهذَا تَقَدَّمَ إِلَى بِيلَاطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ. فَأَمَرَ بِيلَاطُسُ حِينَئِذٍ أَنْ يُعْطَى الْجَسَدُ (متى 27: 57 ، 58).

وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ، إِذْ كَانَ الِا سْتِعْدَادُ - أَيْ مَا قَبْلَ السَّبْتِ - جَاءَ يُوسُفُ الّذِي مِنَ الرَّامَةِ، مُشِيرٌ شَرِيفٌ، وَكَانَ هُوَ أَيْضاً مُنْتَظِراً مَلَكُوتَ اللّهِ، فَتَجَاسَرَ وَدَخَلَ إِلَى بِيلَاطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ. فَتَعَجَّبَ بِيلَاطُسُ أَنَّهُ مَاتَ كَذَا سَرِيعاً. فَدَعَا قَائِدَ الْمِئَةِ وَسَأَلَهُ: هَلْ لَهُ زَمَانٌ قَدْ مَاتَ؟ وَلَمَّا عَرَفَ مِنْ قَائِدِ الْمِئَةِ، وَهَبَ الْجَسَدَ لِيُوسُفَو (مرقس 15: 42 - 45).

وَإِذَا رَجُلٌ اسمُهُ يُوسُفُ، وَكَانَ مُشِيراً وَرَجُلاً صَالِحاً بَارّاً - هذَا لَمْ يَكُنْ مُوافِقاً لِرَأْيِهِمْ وَعَمَلِهِمْ، وَهُوَ مِنَ الرَّامَةِ مَدِينَةٍ لِلْيَهُودِ. وَكَانَ هُوَ أَيْضاً يَنْتَظِرُ مَلَكُوتَ اللّهِ. هذَا تَقَدَّمَ إِلَى بِيلَاطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ (لوقا 23: 50 - 52).

ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ الّذِي مِنَ الرَّامَةِ، وَهُوَ تِلْمِيذُ يَسُوعَ، وَل كِنْ خُفْيَةً لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، سَأَلَ بِيلَاطُسَ أَنْ يَأْخُذَ جَسَدَ يَسُوعَ، فَأَذِنَ بِيلَاطُسُ. فَجَاءَ وَأَخَذَ جَسَدَ يَسُوعَ (يوحنا 19: 38).

إن هذه الروايات واضحة. لم يحدث أن أُلقي جسد يسوع في حفرة.

(ب) ثم ماذا عن تجهيز يسوع للدفن؟

فَأَخَذَ يُوسُفُ الْجَسَدَ وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ (متى 27: 59).

فَا شْتَرَى كَتَّاناً، فَأَنْزَلَهُ وَكَفَّنَهُ بِا لْكَتَّانِ (مرقس 15: 46).

وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْتُ، اشْتَرَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالُومَةُ، حَنُوطاً لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ (مرقس 16: 1).

َتَبِعَتْهُ نِسَاءٌ كُنَّ قَدْ أَتَيْنَ مَعَهُ مِنَ الْجَلِيلِ، وَنَظَرْنَ الْقَبْرَ وَكَيْفَ وُضِعَ جَسَدُهُ. فَرَجَعْنَ وَأَعْدَدْنَ حَنُوطاً وَأَطْيَاباً (لوقا 23: 55 ، 56).

ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ الّذِي مِنَ الرَّامَةِ، وَنِيقُودِيمُوسُ، لَّذِي أَتَى أَّوَلاً إِلَى يَسُوعَ لَيْلاً، وَهُوَ حَامِلٌ مَزِيجَ مُرٍّ وَعُودٍ نَحْوَ مِئَةِ مَناً. فَأَخَذَا جَسَدَ يَسُوعَ، وَلَفَّاهُ بِأَكْفَانٍ مَعَ الْأَطْيَابِ، كَمَا لِلْيَهُودِ عَادَةٌ أَنْ يُكَفِّنُوا (يوحنا 19: 38 - 40).

لماذا تُسجَّل هذه الحقائق إن لم تكن الاستعدادات للدفن قد جرت فعلاً؟

(ج) وماذا عن النسوة اللاتي راقبن يوسف الرامي ونيقوديموس يكفّنان الجسد ويضعانه في القبر؟

وَتَبِعَتْهُ,,, وَنَظَرْنَ الْقَبْرَ وَكَيْفَ وُضِعَ جَسَدُهُوتبعنه.. ونظرن القبر وكيف وُضع جسده (لوقا 23: 55).

وَكَانَتْ هُنَاكَ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الْأُخْرَى جَالِسَتَيْنِ تُجَاهَ الْقَبْرِ (متى 27: 61).

وَكَانَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يُوسِي تَنْظُرَانِ أَيْنَ وُضِعَ (مرقس 15: 47).

لقد عرفت النسوة مكان القبر. هذا واضح من القصة.

(د) وكيف نتجاهل المعلومات التي وردت عن القبر؟

وَوَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ الْجَدِيدِ الّذِي كَانَ قَدْ نَحَتَهُ فِي الصَّخْرَةِ، ثُمَّ دَحْرَجَ حَجَراً كَبِيراً عَلَى بَابِ الْقَبْرِ وَمَضَى (متى 27: 60).

وَوَضَعَهُ فِي قَبْرٍ كَانَ مَنْحُوتاً فِي صَخْرَةٍ (مرقس 15: 46).

وَوَضَعَهُ فِي قَبْرٍ مَنْحُوتٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ وُضِعَ قَطُّ (لوقا 23: 53).

وَفِي الْبُسْتَانِ قَبْرٌ جَدِيدٌ لَمْ يُوضَعْ فِيهِ أَحَدٌ قَطُّ (يوحنا 19: 41).

ونلاحظ ما يأتي:

متى يقول إن القبر كان خاصاً بيوسف. يوحنا يقول إنه في بستان في الموضع الذي صُلب فيه يسوع. وكلهم ما عدا مرقس يقولون إن القبر كان جديداً. ولكن يوحنا لا يذكر أن القبر كان ملكاً ليوسف.

أما السبب الذي جعل يوسف يطلب الجسد فهو قُرب قبره من مكان الصلب، وكان الاستعداد للسبت يستوجب السرعة.

لقد كان القبر محفوراً في صخر ولم يكن كهفاً طبيعياً، ولم يكن محفوراً إلى أسفل، بل أفقياً في الصخر.

(ه ) لماذا طلب اليهود من بيلاطس أن يضع حرَّاساً على القبر، إن لم يكن هناك قبر؟

وَفِي الْغَدِ الّذِي بَعْدَ الِا سْتِعْدَادِ اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ إِلَى بِيلَاطُسَ قَائِلِينَ: يَا سَيِّدُ، قَدْ تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذ لِكَ الْمُضِلَّ قَالَ وَهُوَ حَيٌّ: إِنِّي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ. فَمُرْ بِضَبْطِ الْقَبْرِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ، لِئَلَّا يَأْتِيَ تَلَامِيذُهُ لَيْلاً وَيَسْرِقُوهُ، وَيَقُولُوا لِلشَّعْبِ إِنَّهُ قَامَ مِنَ الْأَمْوَاتِ، فَتَكُونَ الضَّلَالَةُ الْأَخِيرَةُ أَشَرَّ مِنَ الْأُولَى! فَقَالَ لَهُمْ بِيلَاطُسُ: عِنْدَكُمْ حُرَّاسٌ. اِذْهَبُوا وَاضْبُطُوهُ كَمَا تَعْلَمُونَ . فَمَضَوْا وَضَبَطُوا الْقَبْرَ بِا لْحُرَّاسِ وَخَتَمُوا الْحَجَرَ (متى 27: 62 - 66).

ولو أن جسد المسيح أُلقي في حفرة المجرمين ما كان هناك داعٍ لحراسة القبر.

(و) ثم ماذا عن زيارة النسوة، للقبر صباح الأحد؟

وَبَعْدَ السَّبْتِ، عِنْدَ فَجْرِ أَّوَلِ الْأُسْبُوعِ، جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الْأُخْرَى لِتَنْظُرَا الْقَبْرَ (متى 28: 1).

وَبَاكِراً جِدّاً فِي أَّوَلِ الْأُسْبُوعِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ إِذْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ (مرقس 16: 2).

ثُمَّ فِي أَّوَلِ الْأُسْبُوعِ، أَّوَلَ الْفَجْرِ، أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ حَامِلَاتٍ الْحَنُوطَ الّذِي أَعْدَدْنَهُ، وَمَعَهُنَّ أُنَاسٌ (لوقا 24: 1).

وَفِي أَّوَلِ الْأُسْبُوعِ جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ إِلَى الْقَبْرِ بَاكِراً، وَالظَّلَامُ بَاقٍ. فَنَظَرَتِ الْحَجَرَ مَرْفُوعاً عَنِ الْقَبْرِ (يوحنا 20: 1).

لو أن يسوع لم يُدفن في قبر يوسف الرامي، ما كانت هناك حاجة لمجيء النسوة.

(ز) ثم ماذا نقول عن زيارة بطرس ويوحنا للقبر بعد أن سمعا أخبار النسوة؟

فَقَامَ بُطْرُسُ وَرَكَضَ إِلَى الْقَبْرِ، فَا نْحَنَى وَنَظَرَ الْأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً وَحْدَهَا، فَمَضَى مُتَعَجِّباً فِي نَفْسِهِ مِمَّا كَانَ (لوقا 24: 12).

فَخَرَجَ بُطْرُسُ وَالتِّلْمِيذُ الْآخَرُ وَأَتَيَا إِلَى الْقَبْرِ. وَكَانَ الِا ثْنَانِ يَرْكُضَانِ مَعاً. فَسَبَقَ التِّلْمِيذُ الْآخَرُ بُطْرُسَ وَجَاءَ أَّوَلاً إِلَى الْقَبْرِ، وَانْحَنَى فَنَظَرَ الْأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً، وَل كِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ. ثُمَّ جَاءَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ يَتْبَعُهُ، وَدَخَلَ الْقَبْرَ وَنَظَرَ الْأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً، وَالْمِنْدِيلَ الّذِي كَانَ عَلَى رَأْسِهِ لَيْسَ مَوْضُوعاً مَعَ الْأَكْفَانِ، بَلْ مَلْفُوفاً فِي مَوْضِعٍ وَحْدَهُ. فَحِينَئِذٍ دَخَلَ أَيْضاً التِّلْمِيذُ الْآخَرُ الّذِي جَاءَ أَّوَلاً إِلَى الْقَبْرِ، وَرَأَى فَآمَنَ (يوحنا 20: 3 - 8).

(ح) إن جوينبر ينكر ما تذكره الأناجيل الأربعة بوضوح من أن جسد يسوع وُضع في قبر يوسف الرامي، ولكنه لا يورد أدلة على إنكاره، ويجيء بكلمات من خياله، نابعة من تفكيره وفلسفته لا من التاريخ، ذلك لأنه ينكر حدوث المعجزات (3).

3 - الدفن:

المعلومات التي عندنا عن دفن المسيح في قبر يوسف الرامي تفوق في تفصيلاتها أي معلومات تاريخية عندنا عن دفن أي شخص آخر، سواء من العهد القديم، أو ملوك بابل، أو فراعنة مصر، أو فلاسفة الأغريق، أو قياصرة الرومان. إننا نعرف من أخذ جسده من على الصليب، ونعلم شيئاً عن تعطير جسده بالأطياب وعن أكفانه، ونعرف القبر الذي دُفن فيه واسم صاحبه، يوسف الرامي، ونعرف أن موضع القبر كان في بستان قريب من مكان الصلب، خارج أسوار المدينة. وعندنا أربعة سجلات تاريخية عن الدفن، تتوافق كلها، واحد منهم هو متى تلميذ المسيح الذي حضر حادثة الصلب. والثاني مرقس الذي كتب قصته بعد صعود المسيح بأقل من عشر سنوات. والثالث لوقا رفيق بولس والمؤرخ العظيم. والرابع يوحنا آخِر من غادر مكان الصلْب، وكان مع بطرس، أول التلاميذ الاثني عشر، اللذين رأيا القبر الفارغ (3).

ويقول المؤرخ ألفرد إدرشايم: لم يكن الأغنياء وحدهم هم الذين يملكون قبوراً خاصة، بل كان متوسِّطو الحال يفعلون ذلك، كانوا يجهزون القبر قبل الحاجة إليه بوقت طويل. وكانوا يحفرون القبور في الصخور ويضعون فيها الجسد بعد تعطيره بالأطياب والحنوط وماء الورد وزيته. وكانوا يلفّون الجسد بالأكفان، وفي أقمشة قديمة تكون غالباً قد سبق أن لُفَّت بها كتب الشريعة. وكانت القبور أحياناً كهوفاً طبيعية (11).

ويقول إدرشايم عن دفن المسيح: لعله بسبب اقتراب السبت وضرورة الاستعجال، أن يوسف الرامي اقترح دفن المسيح في قبره الجديد الذي لم يسبق لأحد أن وُضع فيه. وأُنزل الصليب إلى مستوى الأرض، وجُذبت منه المسامير الخشنة. ولفَّ يوسف الرامي ومن معه الجسد بقماش من الكتان النقي، وأسرع به إلى قبره المنحوت في الصخر في بستان قريب، حيث يلائم النحت وضع جسد الميت. وكانوا عادة يلحقون بالقبر غرفة نحو تسعة أقدام مربعة يضعون فيها التابوت، وفيها يتمكن حاملو الميت من القيام بآخر الواجبات من نحو الجثة . (11).

ولقد تمَّ تطييب الجسد في تلك الغرفة الملحقة بالقبر. وكانوا عادة يستخدمون كمية كبيرة من المرّ والعود على جسد ذي المكانة الخاصة (11). ويخبرنا إنجيل يوحنا أن نيقوديموس أحضر نحو مئة مناً (نحو سبعين رطلاً) من الأطياب لتكفين جسد يسوع.

ولا بد أن يوسف الرامي أراد أن يعّوض جُبْنه من نحو المسيح، فاشترى الكثير من الأطياب كما أنه كان غنياً. ولم تكن كمية الأطياب - مع ضخامتها - غير عادية، فقد طيَّبوا جسد غمالائيل (معاصر يسوع) بنحو ثمانين رطلاً من الأطياب.

ويصف يوسيفوس، المؤرخ اليهودي في القرن الأول الميلادي، جنازة أرستوبولوس الذي قُتل وهو في الثامنة عشرة من عمره، وكان رئيساً للكهنة لمدة سنة واحدة فقط، قال إن الملك هيرودس بذل عناية خاصة لتجهيز القبر الذي يُوضع فيه الجسد، وزّوَده بكمية كبيرة من الأطياب، ودفن معه بعض أدوات الزينة (6).

ولقد كان المرّ دواء يلصق بالجسد ويلتحم به حتى يصعب نزع الأكفان عن بدن الميت. وكانت عادة اليهود في التكفين أن يغسلوا الجسد، ويسّووه، ثم يلفّونه من الإِبطين إلى الكعبين بقماش كتاني بعرض قدم (30 سم). وكانوا يضعون الأطياب بين طيات الأكفان لحفظ الجسد وللصق الكتان. وتعبير يوحنا تعبير دقيق لفاه بأكفان مع الأطياب .

وفي صباح اليوم الأول بعد الدفن اختفى جسد يسوع، لكن بقيت الأكفان!

ولقد اتبع يوسف الرامي الوصية القائلة: فَلَا تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلَى الْخَشَبَةِ، بَلْ تَدْفِنُهُ فِي ذ لِكَ الْيَوْمِ، لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللّهِ. فَلَا تُنَجِّسْ أَرْضَكَ الّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِل هُكَ نَصِيباً (تثنية 21: 23). ويعلّق بولس على هذا قائلاً: اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لِأَجْلِنَا، لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ (غلاطية 3: 13).

ولا زالت عادات الدفن قائمة حتى اليوم في الشرق، فالجثة تُغسَّل، وتُلف بالأكفان، وتُطيَّب بالأطياب، ويُغطى الوجه بمنديل (يوحنا 11: 44).

4 - الحجر:

كان اليهود عادة يضعون حجراً على باب القبر ليحفظ جسد الميت من عَبَث الناس والحيوانات. وكان الحجر عادة ثقيلاً يحتاج لبضعة رجال ليزحزحوه. ولما كان قبر المسيح مهدداً باحتمال سرقة التلاميذ له، فقد اختاروا له حجراً ضخماً أكبر من المعتاد. وقد وُجد في نسخة قديمة (نسخة بيزا) من القرن الثاني لإنجيل مرقس تعليق بين قوسين على مرقس 16: 4 : فَتَطَلَّعْنَ وَرَأَيْنَ أَنَّ الْحَجَرَ قَدْ دُحْرِجَ! لِأَنَّهُ كَانَ عَظِيماً جِدّ (لا يستطيع عشرون رجلاً أن يزحزحوه) . وكانت العادة أن يكتب القرَّاء ملاحظاتهم على هامش الإنجيل. لكن كتابة هذه العبارة بين قوسين وسط النص يعني أن هذه ملاحظة قديمة، لعل شخصاً معاصراً شاهد عيان كتبها تعليقاً على ضخامة الحجر، وكانت ضخامة الحجر قد أدهشته (12).

وتوضح القصة الكتابية أن الحجر كان ضخماً، حتى أن النسوة لم يكنَّ قادرات على دحرجته. ويقول المؤرخ إدرشايم، اليهودي الأصل: وهكذا وضعوا جسده داخل القبر الجديد المنحوت في الصخر، وعند خروجهم دحرجوا حجراً عظيماً جداً على الباب، حسب عادة اليهود، اسمه جوليل . ولعلهم سندوا الحجر الكبير بحجر آخر صغير يسمونه دوفج . والأغلب أن السلطات وضعت الختم عند اتصال الحجرين حتى يظهر أقل تغيُّر يطرأ عليهما (11).

ويقدم المحامي فرنك موريسون في كتابه من دحرج الحجر؟ تعليقاً على زيارة مريم وصديقاتها لقبر يسوع باكراً صباح الأحد فيقول: لا بد أن مسألة دحرجة الحجر شكَّلت حيرة ملحوظة للنسوة، فقد رأت اثنتان منهن على الأقل المنظر من قبل وعرفتا الموقف. وكان الحجر الكبير على الباب محل حيرتهن. وتقول أقدم الروايات الإنجيلية، وهي رواية مرقس وَكُنَّ يَقُلْنَ فِيمَا بَيْنَهُنَّ: مَنْ يُدَحْرِجُ لَنَا الْحَجَرَ عَنْ بَابِ الْقَبْرِ؟ (مرقس 16: 3) وهذا يُرينا أن مشكلة الحجر لم تكن مشكلة نفسية وحسب، لكنها كانت عنصراً تاريخياً في الموقف كله إلى أن وصلن إلى القبر (13).

ويدعو موريسون الحجر الشاهد الصامت الذي لا يخطئ ويقول إن هناك حقائق تستدعي الدراسة الدقيقة والبحث في مسألة الحجر: أولاً حجمه وصفاته. لا شك أنه كان كبيراً ثقيل الوزن، حتى يقول مرقس: كان عظيماً جداً . ويقول متى: دحرج حجراً كبيراً على باب القبر . وقد حارت النسوة في تحريكه. ولو لم يكن ثقيلاً ما تحيَّرت ثلاث نسوة في مشكلة دحرجته، فلا بد أنه كان أثقل مما يستطعن زحزحته (13).

5 - الختم:

يقول متى: فَمَضَوْا وَضَبَطُوا الْقَبْرَ بِا لْحُرَّاسِ وَخَتَمُوا الْحَجَرَ (متى 27: 66) وكانت إحدى طرق الختم أن يشدّوا حبلاً على الحجر يثبتونه من طرفيه بصلصال لاصق، كما قيل في دانيال 6: 17 وَأُتِيَ بِحَجَرٍ وَوُضِعَ عَلَى فَمِ الْجُبِّ وَخَتَمَهُ الْمَلِكُ بِخَاتِمِهِ وَخَاتِمِ عُظَمَائِهِ، لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ الْقَصْدُ فِي دَانِيآلَ . ولقد تمَّ الختم في حضور عسكر الرومان الذين بقوا لحراسة القبر ليمنعوا السرقة أو القيامة، لكنهم أصبحوا شاهداً جديداً على القيامة!

وكان الرومان يضعون الأختام ليبرهنوا على صحة الأمر وصدقه، كما كانوا يضعونه على الوصايا والوثائق الهامة، ليحل محل التوقيع والإمضاء. وكان الختم ضماناً للسرية، إذ لا بد من فض الختم قبل الاطلاع على محتويات الوثائق.

كان الختم على الحجر إذاً ضماناً لعدم زحزحته عن باب القبر، إذ أن أي تحريك له يكسر الأختام. وهو كما ذكرنا يكون بشدّ حبل على الحجر يثبتونه من طرفيه بصلصال لاصق ثم يختم على الصلصال، أو بوَضْع عارضتي خشب بهيئة صليب، فوق الحجر، يختمون أطرافها الأربعة إلى باب القبر. وقد تم كل هذا أمام الحراس لضمان سلامة الختم الذي كان يمثّل كرامة الامبراطورية الرومانية، وكل من يتعدى عليه، فإنه يتعدى على شرف الامبراطورية.

قال القديس يوحنا فم الذهب، أسقف القسطنطينية في القرن الرابع، عن إجراءات الأمن التي اتُّخذت عند قبر المسيح:

ذهب قادة اليهود إلى بيلاطس قائلين: يا سيد، قد تذكَّرنا أن ذلك المضلّ قال وهو حي إني بعد ثلاثة أيام أقوم. فمُرْ بضبط القبر إلى اليوم الثالث، لئلا يأتي تلاميذه ويسرقوه ويقولوا للشعب إنه قام من الأموات . وعلى هذا فقد وجب أن يُختَم الحجر على باب القبر. وهذا الختم، وهذه الحراسة المشددة دليل واضح على عدم وجود خداع في قيامة المسيح. ولما كانت هذه الإجراءات قد اتُّخذت فإن وجود القبر خالياً برهان قاطع على أنه قام. هل ترى إذاً كيف قدموا البرهان على صدق حقيقة القيامة، دون قصد؟ (14).

6 - الحراس عند القبر:

ذهبت جماعة من رؤساء اليهود، بقيادة رئيس الكهنة إلى بيلاطس الوالي مطالبين بختم القبر وحراسته تحت إشراف عسكر الرومان. وكانت الحجَّة التي ساقوها هي أن يحموا القبر من سطو تلاميذ المسيح ليلاً، حتى لا يدَّعوا أن المسيح قام. وقال بيلاطس: عندكم حراس. إذهبوا واضبطوه كما تعلمون . ولا بد أن عدداً (عادة ما بين عشرة وثلاثين جندياً) من عسكر الرومان مضى معهم تحت إشرافهم لختم الحجر على القبر المملوك ليوسف الرامي، بختم النسر الروماني، مع ختم الوالي الروماني. وكان فضُّ مثل هذا الختم جريمة كبرى ضد الدولة. وكان هذا الإجراء أكبر برهان يدحض الاتهام الذي وجَّهه اليهود فيما بعد لتلاميذ المسيح من أنهم جاءوا ليلاً وسرقوا جسد يسوع. ولا بد أن قائد العسكر الروماني كان برتبة قائد مئة، ومحل ثقة عند بيلاطس، وقد حفظ التقليد لنا أن اسمه بترونيوس.

وقد قام عسكر الرومان بواجبهم في حراسة القبر، كما سبق وقاموا بواجبهم في تنفيذ حكم الصلب، فقد كان عسكر الرومان يؤدّون واجبهم دوماً بأمانة وانضباط. وكان الختم الذي يحمل النسر الروماني أكثر قداسة عندهم من كل فلسفات إسرائيل وعقائدها القديمة.. ولا عجب فإن الجنود الذين يقترعون على رداء مصلوب دون اهتمام بآلامه، لا يمكن أن يخدعهم جليليون ضعفاء، أو أن يناموا في أثناء نوبة حراستهم فيعرضّون نفوسهم للموت.

ولقد جرى جدال كثير حول قول بيلاطس: عِنْدَكُمْ حُرَّاسٌ. اِذْهَبُوا وَاضْبُطُوهُ كَمَا تَعْلَمُونَ (متى 27: 65) فجاء السؤال: هل كان الحراس جنوداً رومانيين، أم كانوا من حرس الهيكل؟ ذلك أن قول بيلاطس: عندكم حراس قد تعني (1) أن عندهم حرس الهيكل أو (2) خذوا حراساً من الجند الروماني.

ولكننا نرى أن الحراس كانوا من الرومان. فلماذا يذهب اليهود لبيلاطس لطلب حراس وعندهم الحراس؟ ولماذا قالوا للحراس بعد اكتشاف القبر الفارغ: وَإِذَا سُمِعَ ذ لِكَ عِنْدَ الْوَالِي فَنَحْنُ نَسْتَعْطِفُهُ، وَنَجْعَلُكُمْ مُطْمَئِنِّينَ (متى 28: 14). لا شك أنهم جنود الوالي وهم يستعطفون لهم الوالي. ثم أن قول بيلاطس عندكم حراس تحمل معنى الأمر، أي خذوا حراساً . كما أن كلمة حراس في اللغة الأصلية تطلق عادة على الحرس الروماني، وقد وُجدت وصفاً للعسكر الرومان في بردية ترجع إلى عام 22 م كما أن رؤساء الكهنة طلبوا من بيلاطس أن يأمر بضبط القبر (متى 27: 64).

وسياق القصة كلها في أصحاحي 27 و 28 من إنجيل متى يظهر أن الحرس كان رومانياً، فإن اليهود يمكن أن يسامحوا الحرس اليهودي إذا نام، لكن الوالي الروماني هو الذي يسامح الحرس الروماني إذا نام! (راجع متى 28: 11 ، 14). لقد أخبر الحراس رؤساء الكهنة بقصة القبر الفارغ، ليتدبَّروا الأمر معهم، ولو أنهم أخبروا بيلاطس لوقع عليهم العقاب بالموت.

لقد طلب قادة اليهود حرساً رومانياً، فأعطاهم الوالي الحرس. ولما كان العقاب واجباً على الحرس فقد استعطف قادة اليهود الوالي حتى لا يوقّع العقاب على حرسه. وقد كان انضباط الجندي الروماني مذهلاً، وكانت عقوبة الموت تُوقّع على الجندي في الأحوال الآتية، حسبما وردت في قوانين جستنيان:

البقاء مع الأعداء - الهروب - قطع عضو من الجسد للهروب من الخدمة - العصيان زمن الحرب - صعود سور أو متراس - بدء تمرد - رفض حماية القائد - التهرب من الخدمة - القتل - مدّ اليد على رتبة أعلى أو شتم قائد - الهروب الذي يجعل آخرين يهربون - إفشاء السر للأعداء - ترك مكان الخدمة - جرح زميل بسيف - ترك الحراسة الليلية - كسر عصا قائد المئة عند تنفيذه التأديب - الهروب من السجن - تعكير السلام (15).

وكانت العقوبة تتم بالقتل بالسيف، أو بالرمي من جبل عال. ولقد كان العقاب قديماً قاسياً للغاية بمقارنته بالعقاب الذي يوقَّع اليوم على الجندي المقصِّر. وبهذا انتصرت روما في حروبها الكثيرة (15).

وكانت فرقة الحراسة الرومانية تتكون من عدد يتراوح بين 60 و 120 جندياً، ينقسمون إلى فرق صغيرة من أربعة جنود. أربعة يحرسون الخيمة من الأمام وأربعة يحرسونها من الخلف وسط الخيول. وكان أحد الأربعة يقف وقفة انتباه بينما يستريح زملاؤه الثلاثة بعض الشيء! ولكنهم جميعاً يكونون متنبهين لأي إنذار. ولقد كان هناك أربعة عساكر عند الصليب (يوحنا 19: 23).

أما حرس الهيكل فقد كانوا ينتشرون ليلاً في 24 مكاناً عند الأبواب وفي الأفنية، 21 منهم من اللاويين فقط، وثلاثة من الكهنة معاً. وكانت كل فرقة منهم تتكّوَن من عشرة رجال، وهكذا نجد أن هناك 240 لاوياً و 30 كاهناً يعملون في الحراسة كل ليلة. وكان حرس الهيكل يستريحون نهاراً ويعملون ليلاً. وكان الرومان يقسمون حراسة الليل إلى أربع حراسات لكن اليهود كانوا يقسمونه على الأرجح إلى ثلاث. وكان هناك قائد عام لحرس الهيكل ليحفظ النظام في الهيكل. وليفتش على الحرس ليلاً. وكان الرؤساء والولاة يعيّنون القائد العام للحرس (16).

وعندما كان القائد العام يصل إلى حرس الهيكل كانوا يقومون لتحيته. وكان الحارس النائم يُضرب أو تُحرق ثيابه عقاباً له. ومن هذا نفهم معنى قول الرؤيا 16: 15 طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه لئلا يمشي عرياناً (16).

وتقول المشنا إن حارساً كان يسير أمام القائد العام لحرس الهيكل يحمل مشعلاً. وكان كل جندي يقف ليقول للقائد: يا قائد حرس الهيكل، سلام لك وما لم يقف بهذه التحية فمعنى ذلك أنه كان نائماً، ويستحق ضرب العصا أو إحراق ثيابه. وعندما يسأل زملاؤه عن سبب الضوضاء في الهيكل كانوا يسمعون: وجدنا فلاناً نائماً في نوبة حراسته وهم يضربونه ويحرقون ثيابه! . بل إنهم أحياناً كانوا يحرقون قميص النائم على جسده، ليكون عبرة لغيره!

فلو أن حراس القبر كانوا من الرومان أو من اليهود، فإن حراستهم كانت دقيقة. ولم يحدث أن لقي قبر كل هذه العناية..

7 - التلاميذ الهاربون

يشرح لنا متى جُبْن التلاميذ بقوله: حِينَئِذٍ تَرَكَهُ التَّلَامِيذُ كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا (متى 26: 56) وهكذا يقول مرقس: فَتَرَكَهُ الْجَمِيعُ وَهَرَبُوا (مرقس 14: 50).

ومن الواضح أن التلاميذ لم يكونوا شجعاناً بواسل ولا متسعي الفكر، ولذلك فإنهم هربوا جميعاً تاركين معلّمهم للذين قبضوا عليه. بل أن بطرس لعن وحلف أنه لا يعرف هذا الرجل ! وذلك أمام جارية!

ولقد ملأ الرعب قلب بطرس فأنكر المعلم الذي أحبه والذي دعاه ليترك الشِباك ويصيد الناس.

لقد كان التلاميذ صيّادين لا يعرفون حياة المدن، ولكنهم تبعوا المعلم الجليلي بأمانة وإخلاص، حتى جاءت الساعة الفاصلة عندما قُبض عليه في البستان، فأرعبتهم أضواء مشاعل الجند، فهربوا جميعاً! وظل التلاميذ مختفين حتى جاءتهم مريم المجدلية بأخبار القيامة في اليوم الثالث. ولقد ظنوا أن المرأة تهذي، فإن معلمهم قد مات وانتهى! ولم يكونوا بعد يعرفون الكتب أن مخلّصهم ينبغي أن يقوم من الأموات!

خامساً - مشاهد بعد حادثة القيامة

1 - القبر الفارغ:

لم يُقنع القبر الفارغ التلاميذ بحقيقة القيامة، والقول إن يوحنا رأى وآمن (يوحنا 20: 8) سببه أن يوحنا تذكَّر ما سبق أن قاله المسيح عن قيامته. أما مريم المجدلية والنسوة وبطرس فلم يؤمنوا بالقيامة عندما رأوا القبر الفارغ. ولكن ظهورات المسيح لهم بعد القيامة هي التي جعلتهم يؤمنون. غير أن القبر الفارغ برهن حقيقة تاريخية هي أن الذي ظهر للتلاميذ هو نفسه يسوع الناصري.

ويلاحظ دارس العهد الجديد أن حقيقة القبر الفارغ لم ترِدْ إلا في الأناجيل. ولكن مواعظ الرسل للجمهور - كما يسجّلها سفر الأعمال - لم تذكرها، بالرغم من تأكيد الرسل الشديد على القيامة - والسبب: إن هذه الحقيقة كانت معروفة للجميع، فلم يكن هناك ما يدعو إلى برهنتها. لقد عرف الجمهور كله أن قبر المسيح فارغ، فكان المهم هو: ما هي دلالة القبر الفارغ؟ لماذا هو فارغ؟

والقبر الفارغ يقف صخرة راسخة كدليل من أقوى الأدلة على قيامة المسيح. لقد ربح الرسل كثيرين للإيمان بالمسيح - بالرغم من عداوة السامعين بعد أن أعلنوا خبر القيامة المفرح، وهم على بُعد قريب من القبر، يمكن لمن يشاء أن يذهب إليه بنفسه. فهل كان يمكن أن يربحوا كل هؤلاء لو أن جسد المسيح كان مُسجى في قبره؟! وهل يمكن أن يقبل الكهنة والفريسيون وقادة اليهود ما أعلنه التلاميذ البسطاء، بدون مقاومة، لو لم يكن القبر فارغاً فعلاً؟! إن حقيقة القيامة ما كان يمكن أن تُعلَن في أورشليم لو لم يكن القبر قد خلا حقاً من جسد المسيح، فقد كان اليهود قادرين على إحضار الجسد لو أنه كان موجوداً! (13).

حاول قادة اليهود أن يَرْشوا الحراس ليقولوا إن تلاميذ المسيح سرقوا جسده، وهم نيام (متى 28: 11 - 15). وهذا في ذاته برهان على أن القبر كان فارغاً.. لكن المشكلة هي في تفسير سرّ هذا الفراغ!

لقد نشر اليهود في القرن الثاني عشر كتابات تحوي تفسيراً للقبر الفارغ، تقول إن الملكة عندما سمعت أن الرؤساء قتلوا يسوع ودفنوه وأنه قام أيضاً، أمرتهم أن يجيئوا بجسد يسوع في بحر ثلاثة أيام وإلا قتلتهم. عندئذ قال يهوذا: تعالوا لتروا الرجل الذي تطلبونه لأني أنا الذي أخذته من القبر. لقد خفت أن يسرقه التلاميذ، فأخذته وخبأته في بستان وعملت مجرى ماء فوق مكانه . وتكمل القصة بأن الجسد قد ظهر. (عن توليدوث يسوع ) (17). وواضح أن هذه القصة هي من إنتاج فكر العصور الوسطى، ولكنها دليل على أن القبر كان فارغاً. وأن الأمر يعوزه التعليل. ولعله لهذا السبب تغفل معظم الكتابات المنافية للمسيحية ذكر القبر الفارغ، لأن القبر الفارغ ضربة مميتة لكل الاعتراضات على الشهادة المسيحية، والصخرة التي تتحطم عليها كل النظريات المخادعة.

ويلاحظ دارس تاريخ الكنيسة أن المسيحيين في القرون الأولى لم يجعلوا من قبر المسيح مزاراً، فإن الجسد لم يكن هناك. فلماذا الزيارة؟ فلا الأناجيل ولا سفر الأعمال ولا الرسائل لا كتابات الأبوكريفا ولا الكتابات القديمة تذكر أن للمسيحية مزاراً. ألم تَشْتَقْ سيدة واحدة من اللواتي أحسن المسيح إليهنّ أن تزور قبره؟ ألم يَشْتَقْ أندراوس أو بطرس أو يوحنا أن يحجّوا إلى قبره؟ ألم يُرِدْ شاول الطرسوسي أن يزور القبر ليذرف الدمع ندماً على ما سبق أن اقترفه في حق صاحبه؟.. لو أنهم عرفوا أن جسد المسيح مُسجَى هناك لأسرعوا لزيارته (13).

2 - الأكفان:

تتضح من رواية يوحنا أهمية الأكفان كبرهان للقيامة. إنه يقول:

فَخَرَجَ بُطْرُسُ وَالتِّلْمِيذُ الْآخَرُ وَأَتَيَا إِلَى الْقَبْرِ. وَكَانَ الِا ثْنَانِ يَرْكُضَانِ مَعاً. فَسَبَقَ التِّلْمِيذُ الْآخَرُ بُطْرُسَ وَجَاءَ أَّوَلاً إِلَى الْقَبْرِ، وَانْحَنَى فَنَظَرَ الْأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً، وَل كِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ. ثُمَّ جَاءَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ يَتْبَعُهُ، وَدَخَلَ الْقَبْرَ وَنَظَرَ الْأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً، وَالْمِنْدِيلَ الّذِي كَانَ عَلَى رَأْسِهِ لَيْسَ مَوْضُوعاً مَعَ الْأَكْفَانِ، بَلْ مَلْفُوفاً فِي مَوْضِعٍ وَحْدَهُ. فَحِينَئِذٍ دَخَلَ أَيْضاً التِّلْمِيذُ الْآخَرُ الّذِي جَاءَ أَّوَلاً إِلَى الْقَبْرِ، وَرَأَى فَآمَنَ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بَعْدُ يَعْرِفُونَ الْكِتَابَ: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ مِنَ الْأَمْوَاتِ (يوحنا 20: 3 - 9).

كانت مريم المجدلية قد أخبرت بطرس ويوحنا أن المسيح ليس في القبر، فجَرَيا حتى سبق يوحنا بطرس، وانحنى ينظر فرأى الأكفان موضوعة، وتبعه بطرس، وكان المنديل الذي يغطي الرأس ملفوفاً وحده بعيداً عن الأكفان. والكلمة موضوعة في اليونانية تعني العناية في وضعها، وهي في صيغة التوكيد، بمعنى أنها ليست ملقاة، بل في موضعها الذي كانت فيه على الجسد. وفي موضع الرأس كان المنديل، وهذا معناه أن الجسد قد انسحب من أكفانه. وعندما رأى يوحنا ذلك لم يحتَجْ إلى شهادة إنسان ولا ملاك بل رأى فآمن، وسجّل شهادته لنا. ويقول كيرلس الاسكندري (326 - 444 م) إن الطريقة التي وُضعت بها الأكفان قادت التلاميذ للتأكد من القيامة.

ويقول بروفسور ا. ه-. داي: إن رواية يوحنا تتميَّز بلمسة شخصية. إنها لا تحمل شهادة شاهد عيان فحسب، بل وشهادة مراقب دقيق الملاحظة.. إن ركض التلميذين وترتيب وصولهما إلى القبر ودخولهما إليه، وكيف أن يوحنا انحنى أولاً ونظر من خلال باب القبر ورأى الأكفان موضوعة، بينما بطرس أكثرهما جسارة - كان أول من دخل ونظر (وهي في اليونانية تعني التدقيق والفحص)، ووصف موضع الأكفان والمنديل - وهو وصف لا تصنُّع فيه، لكنه وصف دقيق انطبع في ذاكرته بسبب ما رآه، وكان نقطة تحّول في إيمانه وحياته. فلم يكن الأمر قاصراً على القبر الفارغ فحسب، بل والأكفان التي ظلت في موضعها كما هي.

لقد سجَّل لنا يوحنا أن يوسف الرامي ونيقوديموس أتيا بمزيج مرّ وعود نحو مئة مناً، ولفَّا الجسد بالأكفان مع الأطياب.. ولكن ها يوحنا يسجل ما رآه هو وزميله بطرس عندما أتيا إلى القبر في صباح القيامة:

1 - الأكفان موضوعة بعناية كما لو أن الجسد ما زال داخلها.

2 - المنديل الذي كان على الرأس ليس موضوعاً مع الأكفان.

3 - المنديل ملفوفاً، وكأنه ما زال على الرأس، على مسافة قريبة من بقية الأكفان، في موضع الرأس.

لقد كانت جميعها في مكانها كما هي لم تلمسها يد، ولم يُطّوَح بها في أي مكان، بل كانت جميعها كالشرنقة التي خرجت منها الفراشة وطارت!

وبعد التلميذين نظرت المجدلية فرأت ملاكين بثياب بيض جالسَيْن واحداً عند الرأس والآخر عند القدمين، والأكفان بينهما. ويضيف كل من متى ومرقس أن أحد الملاكين قال: قد قام. ليس هو ههنا. هوذا الموضع الذي وضعوه فيه . وقد أكَّد هذا كله للتلاميذ أن القيامة قد حدثت! (2).

ولا شك أن بطرس ويوحنا اختبرا ما يمكن أن يقولا عنه: حقاً! الرب في هذا المكان (10) وكأن الأكفان والأطياب والمنديل قالت للمشاهدين: كل ما تألم به المسيح قد تغيَّر ومضى.. أما نحن الأكفان والأطياب والمنديل، فإننا من الأرض ونبقى (10).

3 - وضع الحجر:

الكلمة اليونانية التي تصف وضع الحجر لها معناها.

متى 27: 60 دحرج حجراً كبيراً .

مرقس 16: 3 ، 4 يستعمل دحرج مع إضافة كلمة يونانية أخرى لتعني أن مدخل القبر كان منحدراً أو مائلاً قليلاً.

لوقا 24: 2 يستعمل دحرج مع إضافة كلمة يونانية أخرى لتعني منفصلاً، أو بعيداً قليلاً. أي أن الحجر كان بعيداً قليلاً في المسافة عن القبر كله.

يوحنا 20: 1 كلمة أخرى هي مرفوعاً عن القبر أي بعيداً عنه كله.

لقد كان يلزم جهد ضخم لدحرجة مثل هذا الحجر الكبير.

4 - الختم:

ولقد تمَّ ختم القبر بحضور الجند الرومان. ولن يُفتح باب القبر إلا إذا كُسر الختم، وهذه جريمة ضد الدولة الرومانية!

ولكن الختم كُسر، والحجر دُحرج، وكان على الحراس أن يقدموا تقريراً لقادتهم ورؤسائهم .. فقد كان الكل يخافون كسر الختم الروماني!

5 - الحرس الروماني:

يقدم متى الملاحظات الآتية:

وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ، لِأَنَّ مَلَاكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ. وَكَانَ مَنْظَرُهُ كَا لْبَرْقِ، وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَا لثَّلْجِ. فَمِنْ خَوْفِهِ ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ.,, قَوْمٌ مِنَ الْحُرَّاسِ جَاءُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَخْبَرُوا رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ بِكُلِّ مَا كَانَ. فَا جْتَمَعُوا مَعَ الشُّيُوخِ، وَتَشَاوَرُوا، وَأَعْطَوُا الْعَسْكَرَ فِضَّةً كَثِيرَةً قَائِلِينَ: قُولُوا إِنَّ تَلَامِيذَهُ أَتَوْا لَيْلاً وَسَرَقُوهُ وَنَحْنُ نِيَامٌ. وَإِذَا سُمِعَ ذ لِكَ عِنْدَ الْوَالِي فَنَحْنُ نَسْتَعْطِفُهُ، وَنَجْعَلُكُمْ مُطْمَئِنِّينَ . فَأَخَذُوا الْفِضَّةَ وَفَعَلُوا كَمَا عَلَّمُوهُمْ، فَشَاعَ هذَا الْقَوْلُ عِنْدَ الْيَهُودِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ (متى 28: 2 - 4 ، 11 - 15).

ارتعب الحراس - الغلاظ وقساة القلوب - من المنظر المصاحب لقيامة المسيح حتى صاروا كأموات! ولم يكن لديهم أدنى اهتمام بطبيعة العمل الذي أُوكل إليهم، بل كان كل همهم أن يقوموا بالحراسة فقط، إخلاصاً منهم للنسر الروماني الموضوع على الختم، فقد كان هذا الختم شيئاً مقدساً عندهم وأكثر أهمية من كل فلسفة اليهود وعقائدهم. ولم يستطيعوا أن يقولوا إنهم كانوا نائمين لأن هذا يعني حكم الموت عليهم. وكان عليهم أن يعتمدوا على وعد رؤساء الكهنة لهم في استعطافهم للوالي (12) إذاً لا سبيل أمامهم غير ذلك فالحجر قد دُحرج والختم كُسر والجسد غير موجود!

6 - ظهورات المسيح:

يقول كلايف لويس إن الحقيقة الأولى في التاريخ المسيحي هي أن بعض الناس رأوا القيامة. ولو أنهم ماتوا دون أن يخبروا بما رأوه لما كُتبت الأناجيل التي تحمل الأخبار السارة لنا (18).

وقد هاجم البعض قصص ظهورات المسيح باعتبار أنها قصص خيالية، ولكن النقَّاد اليوم لا يستطيعون أن يقولوا ذلك، فقد ظهر المسيح مرة لأكثر من 500 شخصاً. ولنفكر في شخصية الأشخاص الذين ظهر لهم المسيح من رجال ونساء. إنهم قدموا للعالم أسمى المقاييس الأخلاقية، وعاشوا بشهادة أعدائهم في مستوى المقاييس التي علَّموا بها. فكِّرْ في جماعة من الجبناء المتكّورين في عِلية وقد تغيّروا فجأة إلى شُجعان أبطال لم تستطع كل الاضطهادات أن تسكتهم. فهل نعزو سرّ هذا التغيير إلى خيال أو كذب!

كان الذين تحدثوا عن ظهورات المسيح شهود عيان، أعلنوا ما رأوه لمعاصريهم الذين عاينوا كل شيء. ويقول بولس إن المسيح ظهر لأكثر من 500 أخ أكثرهم باقٍ إلى وقت ما كتبه بولس (سنة 56 م) (1 كورنثوس 15: 6). لقد كان من السهل جداً أن يدحض أحدهم هذا الكلام لو أنه كان غير صحيح.

ولو لم تكن القيامة قد حدثت فإن بولس يكون قد خدع الرسل وهو يقول لهم إن المسيح قد ظهر له! ويكون الرسل قد خدعوا بولس وهم يقولون له إن المسيح قد ظهر لهم!

وهاك قائمة بظهورات المسيح بعد قيامته:

1 - لمريم المجدلية (يوحنا 20: 14 ، مرقس 16: 9).

2 - للنسوة الراجعات من القبر (متى 28: 9 ، 10).

3 - لبطرس قرب نهاية يوم القيامة (لوقا 24: 34 ، 1 كورنثوس 15: 5).

4 - لتلميذي عمواس (لوقا 24: 13 - 33).

5 - للرسل في غياب توما (يوحنا 24: 36 - 43 ، يوحنا 20: 19 - 24).

6 - للرسل في حضور توما (يوحنا 20: 26 - 29).

7 - لسبعة عند بحيرة طبرية (يوحنا 21: 1 - 23).

8 - لأكثر من خمسمائة أخ (1 كورنثوس 15: 6).

9 - ليعقوب (1 كورنثوس 15: 7).

10 - للأحد عشر (متى 28: 16 - 20 ، مرقس 16: 14 - 20: لوقا 24: 33 - 52 ، أعمال 1: 3 - 12).

11 - وقت الصعود (أعمال 1: 3 - 12).

12 - لبولس (أعمال 9: 3 - 6 ، 1 كورنثوس 15: 8).

13 - لاستفانوس (أعمال 7: 55).

14 - لبولس في الهيكل (أعمال 22: 17 - 21 ، 23: 11).

15 - ليوحنا في جزيرة بطمس (رؤيا 1: 10 - 19).

7 - صمت الأعداء:

لم ينْفِ الأعداء قيامة المسيح، بل ظلوا صامتين.

يسجل لنا لوقا عظة بطرس يوم الخمسين (أعمال 2) ولكن أحداً من اليهود لم يقاوم بطرس، ولا نفى ما أعلنه عن قيامة المسيح، لأن البرهان كان واضحاً في القبر الفارغ لكل من يريد أن يرى!

وفي أعمال 25 نرى بولس سجيناً في قيصرية، وجلس فستوس على كرسي الولاية وأمر أن يؤتى ببولس. فلما حضر وقف حوله اليهود الذين كانوا قد جاءوا من أورشليم، وقدَّموا على بولس دعاوي كثيرة وثقيلة لم يقدروا ْأن يبرهنوها. لكن ما هو الذي ضايق اليهود في شهادة بولس؟ وما هو الذي لم يقدروا أن يبرهنوه؟ إن فستوس يوضح الأمر للملك أغريباس، فيقول: كَانَ لَهُمْ عَلَيْهِ مَسَائِلُ مِنْ جِهَةِ دِيَانَتِهِمْ، وَعَنْ وَاحِدٍ اسمُهُ يَسُوعُ قَدْ مَاتَ، وَكَانَ بُولُسُ يَقُولُ إِنَّهُ حَيٌّ (أعمال 25: 19) لم يقدر اليهود أن يفسّروا سرّ القبر الفارغ! لقد اتّهموا بولس بمسائل كثيرة، ولكنهم صمتوا عن إثارة موضوع القيامة أمام شهادة القبر الفارغ.

إن سكوت اليهود يتحدث بصوت أعلى من كلام المسيحيين على صدق القيامة. لقد كانت قصة القيامة أضعف ما في المسيحية، وكان يمكن للأعداء أن يُصيبوها في مقتل، لو أن القيامة لم تكن قد حدثت حقاً. ولكن الأعداء ظلوا صامتين من جهتها. كان يمكنهم أن يحطموا الكنيسة والمسيحية بمهاجمة أكبر عقائدها، لكنهم لم يفعلوا. لقد ضربوا المسيحيين وجلدوهم وقتلوهم بسبب إيمانهم، وكان من الأسهل أن يقارعوا حجتهم بحجة أقوى! ولكنهم لم يفعلوا. ولا شك أن اليهود بذلوا جهدهم في فحص القبر وموضوع القيامة. ولو وجدوا لهم منفذاً لدحض هذه الحقيقة لسجَّلوها وحفظوها لتظل حجَّة في أيديهم. إن سكوت الأعداء شهادة بالقيامة لا تقلّ عن شهادة الرسل.

وفي أماكن أخرى لاقت فكرة القيامة السخرية، ولكنها لم تلاق الهجوم العاقل التاريخي. في أثينا مثلاً عندما تحدث بولس عن المسيح، لم يكن لدى سامعيه ما يقاومون تعليمه به: وَلَمَّا سَمِعُوا بِا لْقِيَامَةِ مِنَ الْأَمْوَاتِ كَانَ الْبَعْضُ يَسْتَهْزِئُونَ (أعمال 17: 32) لقد سخروا لأنهم لم يقدروا أن يفهموا كيف يقوم ميت، ولم يحاولوا مجرد الدفاع عن موقفهم، ولسان حالهم يقول: لا تربكني بهذه الحقائق، فإن عقلي قد تجمد على ما فيه .

لماذا لاقى بولس عدم إيمان في أثينا، على خلاف ما لاقى في أورشليم؟ الجواب: إن القبر الفارغ كان موجوداً في أورشليم لكل من يريد أن يفحص الحقائق، لكن برهان القبر الفارغ كان بعيداً عن أثينا. ولم يهتم سامعو بولس في أثينا أن يفحصوا ويتحرُّوا، واكتفوا بالاستهزاء. وهذا في رأينا قمة الانتحار الفكري!

وفي موقف آخر لبولس أمام الملك أغريباس والوالي فستوس في وسط حشد عظيم في قيصرية، أعلن بولس: َأَنَا لَا أَقُولُ شَيْئاً غَيْرَ مَا تَكَلَّمَ الْأَنْبِيَاءُ وَمُوسَى,,, الْمَسِيحُ، يَكُنْ هُوَ أَّوَلَ قِيَامَةِ الْأَمْوَاتِ,,, نُورٍ لِلشَّعْبِ وَلِلْأُمَمِ . قَالَ فَسْتُوسُ: أَنْتَ تَهْذِي يَا بُولُسُ! الْكُتُبُ الْكَثِيرَةُ (بمعنى لكثرة ما درست) تُحَّوِلُكَ إِلَى الْهَذَيَانِ . فَقَالَ: لَسْتُ أَهْذِي أَيُّهَا الْعَزِيزُ َسْتُوسُ، بَلْ أَنْطِقُ بِكَلِمَاتِ الصِّدْقِ وَالصَّحْوِ. لِأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ هذِهِ الْأُمُورِ، عَالِمٌ الْمَلِكُ (أغريباس) الّذِي أُكَلِّمُهُ جِهَاراً، إِذْ أَنَا لَسْتُ أُصَدِّقُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذ لِكَ، لِأَنَّ هذَا لَمْ يُفْعَلْ فِي زَاوِيَةٍ. أَتُؤْمِنُ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ بِا لْأَنْبِيَاءِ؟ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ تُؤْمِنُ . فَقَالَ أَغْرِيبَاسُ لِبُولُسَ: بِقَلِيلٍ تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيّاً (أعمال 26: 23 - 28).

لقد تحدث بولس هنا عن يسوع والقيامة (أعمال 26: 23) ولم يقدم أحد من السامعين دليلاً ضد القيامة، ولكنهم سخروا من بولس وقال فستوس إنه يهذي. وقال بولس إن كلماته صاحية واعية صادقة، وإن ما يحكيه عن القيامة لم يحدث في زاوية، بل على رؤوس الأشهاد، فقد كان بولس يتكلم في قيصرية القريبة من أورشليم، وكان الجميع قادرين على التأكد بأنفسهم من قبر المسيح الفارغ.

سادساً - حقائق ثابتة عن القيامة

1 - حقائق تاريخية ثابتة:

القبر الفارغ شهادة صامتة لقيامة المسيح، لم يقدر أحد أن يدحضها، فلا اليهود ولا الرومان استطاعوا أن يجيئوا بجسد المسيح أو يوضّحوا أين ذهب. كل ما فعلوه أنهم رفضوا أن يؤمنوا، لا لنقص الأدلة، بل لسوء النيَّة. لقد كانت مشكلتهم مشكلة إرادة تمنع الإيمان، لا مشكلة عقل يحتاج إلى براهين ليقتنغ بالإيمان.

لقد قام المسيح من قبره، وتركه فارغاً. ثم ظهر للكثيرين من أتباعه معاً وعلى انفراد.. هذه شهادة تاريخية صادقة!

2 - حقائق سيكولوجية ثابتة:

إن التغيُّر الهائل الذي حدث في حياة تلاميذ يسوع هو أكبر برهان على القيامة، فقد كان من المستحيل عليهم أن يصرُّوا على تأكيد الحقائق التي رووها لو لم يكن المسيح قد قام من الأموات فعلاً، ولو لم يتأكدوا من هذا تأكيداً جازماً قوياً. ولا نجد في ملاحم الحروب قصصاً تعادل في قوتها قوة شجاعة التلاميذ وصبرهم وبطولتهم وهم يعلنون صدق القيامة محتملين الاضطهاد والموت.

وهل يمكن أن هؤلاء الرسل الذين غيَّروا قيم العالم الأخلاقية، يكونون كذابين؟ وهل يحتملون كل ما احتملوا من تعذيب من أجل كذبة اخترعوها؟

تعال نراقب التغيير الذي جرى في حياة يعقوب أخي الرب الذي لم يكن قبل القيامة يؤمن برسالة أخيه. وبعد القيامة انضم إلى التلاميذ في الكرازة بقيامة يسوع، وكتب في رسالته يقول: يَعْقُوبُ، عَبْدُ اللّهِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ (يعقوب 1: 1) والسر الوحيد لتغيير هذه الحياة هو ما ذكره بولس من أن المسيح المقام ظهر ليعقوب! (1 كورنثوس 15: 17).

وتعالوا نراقب توما وهو يحسب أن موت المسيح موت لملكوته، فقال: لِنَذْهَبْ نَحْنُ أَيْضاً لِكَيْ نَمُوتَ مَعَهُ (يوحنا 11: 16). لم يكن عند توما إيمان في قيامة المسيح، فلا يمكن أن الذي يقترح أن يموت مع شخص آخر، يتوقع أن يرى هذا الشخص حياً بعد ساعات قليلة. كان توما يعلن نهاية ثقته العقلية بحياة المسيح.. بالنسبة له: مات المسيح ومات ملكوته، فليمُت معه تلاميذه! إنه اليأس!!

ولكن توما ركع عند قدمي المسيح قائلاً: ربي وإلهي (يوحنا 20: 28) لقد رأى المسيح المقام، فتغيَّر تماماً وظل يكرز بالإنجيل إلى أن مات شهيداً.

وهاك وصفاً للتغيير الذي جرى في حياة الرسل، بعد القيامة:

في يوم الصلب امتلأوا جميعهم بالحزن، وفي اليوم الأول من الأسبوع امتلأوا جميعاً بالفرح. في يوم الصلب ملكهم اليأس، وفي اليوم الأول من الأسبوع ضاءت قلوبهم باليقين والرجاء. وعندما جاءتهم رسالة القيامة، أول ما جاءت، كانوا مكذِّبين من العسير إقناعهم.. أما وقد تأكدوا من القيامة فقد استحالت شكوكهم يقيناً. فما الذي أجرى هذا التغيير المذهل في حياتهم في مثل هذا الوقت القصير؟ لو أنهم نقلوا الجسد من القبر ما كان يمكن أن يحدث لهم هذا كلَّه. فإن الخرافات تحتاج لوقت طويل جداً لتتأصَّل.. هذه حقيقة سيكولوجية تستلزم تفسيراً لما حدث!

فكِّرْ في هؤلاء الرجال والنساء، الذين أعطوا العالم أسمى تعاليمه الأخلاقية، والذين طبقوا ما تعلموه في حياتهم، بشهادة أعدائهم.. فكر في جماعةمغمورة من التلاميذ المهزومين الجبناء، المتكّوِرين في علية مغلقة الأبواب، وقد تغيَّروا إلى شجعان لا يُسكتهم الاضطهاد. هل يمكن أن كذبة مصطنعة تُحدث فيهم كل هذا التغيير المذهل؟!

ولا زال هذا التغيير يحدث اليوم، فإن المسيح خلال تسعة عشر قرناً يُجري التغيير نفسه، وهذا برهان صادق يجعلنا نؤمن بالقيامة. إنه برهان ذاتي يشهد للحقيقة الموضوعية أن المسيح قد قام في اليوم الثالث، لأن يسوع الحي وحده هو القادر على إحداث مثل هذا التغيير.

3 - حقائق سوسيولوجية (اجتماعية) ثابتة:

حدثت تغييرات في المجتمع لا يمكن حدوثها بدون قيامة المسيح، أولها تأسيس مؤسسة هي الكنيسة، وجَعْل يوم الأحد يوم العبادة، وممارسة المؤمنين للعشاء الرباني والمعمودية.

(ا) الكنيسة مؤسسة مسيحية:

نتيجة لوعظ التلاميذ عن القيامة تأسّست الكنيسة المسيحية:

فَيَنْبَغِي أَنَّ الرِّجَالَ الّذِينَ اجْتَمَعُوا مَعَنَا كُلَّ الّزَمَانِ الّذِي فِيهِ دَخَلَ إِلَيْنَا الرَّبُّ يَسُوعُ وَخَرَجَ، مُنْذُ مَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا إِلَى الْيَوْمِ الّذِي ارْتَفَعَ فِيهِ عَنَّا، يَصِيرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَاهِداً مَعَنَا بِقِيَامَتِهِ (أعمال 1: 21 ، 22).

هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ اللّهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. اَلَّذِي أَقَامَهُ اللّهُ نَاقِضاً أَوْجَاعَ الْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِناً أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ (أعمال 2: 23 ، 24).

(راجع الشواهد التالية التي تظهر إعلان التلاميذ للقيامة كأساس قامت عليه الكنيسة المسيحية: أعمال الرسل 2: 31 ، 32 ، 3: 14 و15 و26 ، 4: 10 ، 5: 30 ، 10: 39 - 41 ، 13: 29 - 39 ، 17: 30 و31 ، 26: 22 ، 23).

ولا يمكن تفسير قيام الكنيسة بغير الإيمان بالقيامة، فقد لقي التلاميذ الأولون أمرَّ الاضطهاد والتعذيب والموت من اليهود والرومان بسبب إيمانهم لأنهم عرفوا أن ربهم قد قام من القبر.

ولقد كان تعليم القيامة أساس الإيمان المسيحي، فتعليم الكنيسة عن الخلاص يرسو على القيامة، فإنْ لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل أيضاً إيمانكم هكذا قال بولس! وبفضل هذا الإيمان بالمسيح المقام سمت المسيحية على اليهودية، وانتشرت في كل العالم.

لم تتأسس الكنيسة سنة 32 م بالصدفة، لكن بسبب محدد. ولقد قيل عن أعضاء الكنيسة الأولى في أنطاكية إنهم فتنوا المسكونة (أعمال 17: 6) وكان سبب كل هذا التأثير هو القيامة!

ولو أن حياة المسيح انتهت بالصليب لاستحال أن تنتشر المسيحية، ولما تأسست الكنيسة على أساس أن المسيح هو المخلّص المنتظر، فإن المسيا المصلوب فحسب، لا يمكن أن يخلص. لقد تعيَّن (أي تَبَرهْن) أن المسيح ابن اللّه بقوة القيامة من الأموات (رومية 1: 4).

ولو لم يقم المسيح لصار مجرد نبي صالح لقي حتفه، ولما تأسست كنيسته!

?tf="PC738(ب) يوم الأحد يوم عبادة:

كان يوم السبت هو يوم العبادة عند اليهود، لأن اللّه استراح فيه من عمل الخليقة. وكان حفظ السبت وصية من الوصايا العشر، وأحد الأعمدة الهامة في الديانة اليهودية. وكان تقديس السبت من أهم مظاهر حياة اليهود.

وقد اجتمع المسيحيون للعبادة يوم الأحد، تذكاراً لقيامة المسيح يوم الأحد، وغيَّر المسيحيون تقليد العبادة يوم السبت، رغم رسوخه عصوراً طويلة بالعقيدة والممارسة. فإذا عرفنا أن الرسل كانوا يهوداً، لرأينا مقدار الجهد الذي تطلَّبه الأمر لتغيير يوم العبادة بالنسبة لهم. وكيف نجد تفسيراً لتغيير يوم السبت بيوم الأحد إلا بالقيامة؟ لقد كان التلاميذ الأولون يهوداً متمسّكين بالسبت، ولا يمكن تغيير هذا التمسُّك العقائدي والاجتماعي إلا بسبب أقوى، وهو القيامة!

(ج) فريضتان جديدتان:

1 - فريضة العشاء الرباني (أعمال 2: 46 ، متى 26: 26 ، مرقس 14: 22 ، لوقا 22: 19 ، 1 كورنثوس 11: 23 و24).

العشاء الرباني تذكار لموت المسيح، لكنهم كانوا يمارسونه بفرح! (أعمال 2: 46) فكيف نفسّر فرحهم بموت المسيح إلا بالقيامة؟ لقد كانت وليمة العشاء السابق للصلْب ألماً لا يُحتمل للتلاميذ، ولكننا نجدها في العشاء الرباني مصدر فرح. كيف حدث هذا التغيير؟

الإجابة: إنهم لم يحتفلوا بالمصلوب فقط، لكن بالمقام أيضاً، الذي ينتظرون مجيئه ثانية (1 كورنثوس 11: 26). وعندنا عبارة قصيرة بالأرامية كانوا يتلونها وقت ممارسة العشاء الرباني تقول: ماران أثا أي أيها الرب تعال (1 كورنثوس 16: 22). هذا يعني أنهم عرفوا أن المسيح المصلوب قام، وأنه سيجيء مرة أخرى.

2 - فريضة المعمودية (كولوسي 2: 12 ، رومية 6: 1 - 6).

اختلف المسيحيون عن اليهود في أن اليهود مارسوا الختان، بينما مارس المسيحيون المعمودية، حسب أمر المسيح. وكان على كل إنسان أن يموت عن خطاياه ويؤمن بالمسيح المقام، ثم يتعمَّد. ويقول بولس إن المؤمن في المعمودية يتحد بالمسيح، فيموت معه ويقوم معه. فعندما يُوضع في الماء يموت ويُدفن مع المسيح وعندما يخرج من الماء يكون قد قام مع المسيح . ولا يوجد في المسيحيةما هو أقدم من هاتين الفريضتين، وكلتاهما مرتبطتان ارتباطاً وثيقاً بموت المسيح وقيامته، ولم يكن ممكناً وجودهما في الكنيسة لو لم يكن المسيح قد قام، فهما شاهدان دائمان على قيامة المسيح، التي قامت عليها الكنيسة.

لقد كان أوائل المؤمنين بالمسيحية من أصل يهودي، واليهود معروفون بتمسُّكهم الشديد بشريعة دينهم. لكن هؤلاء المسيحيين الأولين أبدلوا السبت، يوم عبادتهم بالأحد، احتفالاً بقيامة المسيح. وفي يوم الأحد احتفلوا بالعشاء الرباني، لا ذكرى لموت المسيح فقط، بل شكراً على البركات التي يغدقها عليهم المسيح الحي أيضاً. أما المعمودية فإعلان للدفن مع المسيح وللقيامة معه (كولوسي 2: 12).

لقد أضْفَت القيامة معناها على كل ما فعله التلاميذ.

سابعاً - نظريات فاسدة ضد القيامة

نقدم هنا النظريات التي هاجمت قيامة المسيح وحاولَتْ أن تنقضها. وسنقدم كل نظرية مع الرد عليها.

وقد تبدو إحدى النظريات وجيهة، ولكننا عندما ندرس قصة القيامة ككل تنهار تلك النظرية، ذلك أن القيامة حادثة تاريخية، كما أوضحنا.

1 - نظرية الإغماء:

لم يمت المسيح على الصليب، لكن أُغمى عليه فقط. وعندما وُضع في قبر يوسف الرامي كان حياً، وبعد بضع ساعات، في هواء القبر البارد، قام وخرج من القبر .

أول من نادى بهذه النظرية رجل اسمه فنتوريني منذ نحو قرنين. وتنشرها في هذه الأيام طائفة الأحمدية التي مركزها لندن. وتقول النظرية إن المسيح سُمر على الصليب فعلاً، وإنه قاسى جداً من الصدمة ونزيف الدم والألم، فأُغمى عليه، ولكنه لم يمت. ولما كانت المعرفة الطبية في ذلك الوقت محدودة فقد حسبوه مات، حتى أن بيلاطس اندهش من موته السريع . وأنزلوه من الصليب باعتبار أنه مات ثم وضعوه في القبر. وهناك بعد الراحة والبرودة أفاق وخرج من قبره. وقد ظن تلاميذه الجهلة أنه قام من الأموات، ولم يفطنوا لحقيقة ما حدث. ويقولون إن رائحة الأطياب التي وُضعت وسط الأكفان ساعدت على إفاقته!

وللرد على هذه النظرية نقول:

1 - إن المسيح مات فعلاً على الصليب بشهادة العسكر الرومان، ويوسف ونيقوديموس.

أليس غريباً أن هذه النظرية لم تخطر ببال أحد من معاصري الصلب، أو من جاءوا بعدهم طيلة القرون السابقة، رغم مقاومتهم الشديدة للمسيحية؟ إن كل السجلات القديمة تشهد أن المسيح مات فعلاً.

قاسى المسيح الآلام التالية قبل الصلب: الحزن العميق في البستان، القبض عليه في منتصف الليل، المعاملة الوحشية في دار رئيس الكهنة وفي دار الولاية، الرحلة المضنية بين بيلاطس وهيرودس والعودة، الجلد الروماني الرهيب، السير إلى الجلجثة، الوقوع تحت حمل الصليب، عذاب الصلب المخيف، العطش والحمى على الصليب. لقد كان كثيرون من المصلوبين يموتون في أثناء عملية الصلب لفرط التعذيب. لذلك لا يمكن مطلقاً افتراض أن المسيح يمكن أن يحتمل كل هذا الألم ويبقى حياً، رغم ضعفه ورقته (12).

هل كان يمكن أن يحتمل المسيح عذاب الساعات الست وهو معلق على الصليب والمسامير تمّزق يديه وقدميه، ثم يصرخ ويسلّم الروح، ثم يطعنه عسكري روماني بالحربة في جنبه، ويوضع في قبر مغلق، ثم يقوم بعد هذا كله في اليوم الثالث ليظهر للتلاميذ بكل الحيوية والقوة؟

هل يمكن بعد إغمائه أن يُطعن بالحربة في جنبه للتأكّد من موته، ثم يضعونه في قبر حجري مغلق، في وقت الفصح الذي فيه تشتد البرودة ليلاً في فلسطين، بدون علاج لجروحه، ملفوف في قماش ملتصق بالأطياب، ثم يفيق بعد ذلك؟

إننا نحسب أن هذه كلها كانت تؤدي إلى موته، ولو أنه كان مغمى عليه عندما دُفن!

وكيف كان يقوم من إغمائه، ضعيفاً، مجروح القدمين ليفكَّ الأكفان المربوطة بإحكام حوله والمثقلة بنحو سبعين رطلاً من الأطياب، وليزحزح الحجر الضخم عن القبر، الذي قلقت ثلاث نسوة من زحزحته، ثم يمشي المسافات الطويلة على قدميه الجريحتين من المسامير الغليظة؟ وكيف للجريح الجائع المنهك القُوى أن يهرب من الجنود الرومان الذين يحرسون القبر، وكيف يظهر في نفس اليوم لتلاميذه بالصورة القوية التي شدَّت ولاءهم وعبادتهم؟

وكيف كان يصرف أربعين يوماً في فلسطين مختبئاً معظم الوقت، يظهر خلالها لتلاميذه على غير انتظار منهم، ويرسلهم ليحملوا رسالته للعالم كله، ويعدهم بأنه معهم كل الأيام إلى انقضاء الدهر، ثم يرونه بعيونهم صاعداً عنهم إلى السماء!!

لم يشكّ اليهود والجنود الرومان والجموع المحتشدة حول الصليب في أنه مات. واندهش بيلاطس من سرعة موته، لكن قائد المئة أكّد له أنه مات. وعندما طعنه الجندي بالحربة في جنبه لم يتحرك الجسد، بل خرج دم وماء، علامة موته الأكيد منذ فترة. ولم يشكّ أعدى أعدائه (شيوخ اليهود) في أنه مات. شكوا في أن تلاميذه قد يسرقون جسده، ولكنهم لم يشكوا في حقيقة موته وهم يشاهدونه يسلم الروح. ثم جاء أحباؤه وأنزلوه من على الصليب، دون أن تبدو منه حركة، مثلما لم تَبْدُ منه حركة عند طعنه بالحربة، بل رقد مائتاً بين أذرعهم فرفعوه وحملوه بعيداً ولفّوه بالأكفان ووضعوه في القبر!... فهل نصدق أن المسيح الكامل يخدع تلاميذه والعالم كله، قائلاً إنه قام، بينما هو في الحقيقة قد أفاق فقط؟! إن هذا أبعد احتمالاً من حقيقة القيامة نفسها!

2 - لم يَرَ التلاميذ أن المسيح قد أفاق من مجرد إغماء!

لسنا نظن أن شخصاً تسلل من قبره في ضعف وإنهاك، وفي حاجة ماسة إلى علاج طبي وتضميد لجروحه، وفي أشد الحاجة إلى فترة للنقاهة، يقدر أن يؤثّر على تلاميذه بأنه قاهر الموت والقبر، وأنه رئيس الحياة، ثم يرسلهم بسلطان لكي ينشروا رسالته في العالم كله! ما كان يمكن لمثل هذا الواهن الجريح أن يبدّل حزن تلاميذه إلى حماسة، ويرفع احترامهم له إلى درجة العبادة! هذا الاقتباس هو من كلمات دافيد فردريك ستراوس الذي لا يؤمن بالقيامة! قاله وهو ينفي نظرية الإِغماء! (19).

عندما ظهر المسيح لتلاميذه في العلّية كانوا خائفين، وقد أخذوا يعدّون العدَّة للرجوع لأعمالهم الأولى التي كانوا يزاولونها قبل التعرُّف عليه.. وحالما رأوه امتلأوا بالفرح والشجاعة والحيوية، وقرروا الاستمرار في التلْمذة له، ونشر رسالته. فهل كان يمكن أن المسيح الجريح الضعيف يبعث فيهم كل هذا الحماس؟

وهناك فكرة أخرى: إن الذين يقولون إن المسيح أفاق من إغماء، ولم يمت، لا بد أن يقولوا إنه كان قادراً على إجراء معجزة أخرى هي التخلُّص من الأكفان التي كانت تلفّ جسده بقوة حول كل ثنيات جسده. وكانت الأطياب مواد لاصقة تلصق الأكفان ببعضها وبالجسد. ولكن الأكفان بقيت ملتصقة بهيئتها الأولى بعد أن انسحب الجسد منها. ولقد زحزح صاحب الجسد الضعيف الحجر الثقيل، وخرج دون أن ينتبه العسكر أو ينزعجوا، ثم خطا فوقهم ومشى! ولا بد أن معجزة حدثت حتى أن هذا المغمى عليه، الذي أفاق، يسير على قدميه إلى قرية عمواس التي تبعد عشرة كيلو مترات عن أورشليم! (لوقا 24: 13).

لقد سار المسيح على قدميه، اللتين ثقبتهما المسامير، من أورشليم إلى عمواس، ثم اختفى عن التلميذين وسبقهما ليقابل باقي التلاميذ في علية أورشليم. فهل يمكن لمغمى عليه أفاق أن يفعل هذا كله؟

لو أننا صدقنا نظرية إفاقة المسيح من إغماء، لوجب أن نحذف من الأناجيل قصة القيامة والصعود، فلا بد أن المسيح اختفى عن تلاميذه ليموت بعد ذلك بعيداً عنهم جميعاً. فالذي أفاق من إغماء لا بد سيواتيه الموت بعد ذلك.

ولو أن هذه النظرية صَدَقت لكان التلاميذ مخدوعين، يموتون لأجل إيمان بمسيح مخادع مختفٍ عنهم حتى يواتيه أجَلَهُ!

ثم: أليس غريباً أن شخصاً يؤلّف نظرية في القرن الثامن عشر يفسّر بها القبر الفارغ؟! لقد انهارت نظريته ولم يعُدْ أحدٌ يأخذ بها.

2 - نظرية السرقة:

سرق تلاميذ المسيح جسده وقالوا إنه قام! .

ويسجل متى منشأ هذه النظرية فيقول: قَوْمٌ مِنَ الْحُرَّاسِ جَاءُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَخْبَرُوا رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ بِكُلِّ مَا كَانَ. فَا جْتَمَعُوا مَعَ الشُّيُوخِ، وَتَشَاوَرُوا، وَأَعْطَوُا الْعَسْكَرَ فِضَّةً كَثِيرَةً قَائِلِينَ: قُولُوا إِنَّ تَلَامِيذَهُ أَتَوْا لَيْلاً وَسَرَقُوهُ وَنَحْنُ نِيَامٌ. وَإِذَا سُمِعَ ذ لِكَ عِنْدَ الْوَالِي فَنَحْنُ نَسْتَعْطِفُهُ، وَنَجْعَلُكُمْ مُطْمَئِنِّينَ . فَأَخَذُوا الْفِضَّةَ وَفَعَلُوا كَمَا عَلَّمُوهُمْ، فَشَاعَ هذَا الْقَوْلُ عِنْدَ الْيَهُودِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ (متى 28: 11 - 15).

وتتضح من كتابات جستن الشهيد وترتليان وغيرهما أن هذه النظرية كانت منتشرة بين اليهود، ففي محاورة جستن وتريفو رقم 108 نقرأ حديث اليهود عن واحد اسمه يسوع، جليلي مخادع صُلب، ولكن تلاميذه سرقوا جسده ليلاً من القبر الذي وضعوه فيه بعد إنزاله من على الصليب. وأعلن التلاميذ أنه قام ثم صعد إلى السماء (12).

وفي دفاع ترتليان رقم 21 يقول: وُجد القبر فارغاً إلا من الأكفان. ولكن شيوخ اليهود الذين أرادوا إخضاع الناس لأفكارهم، نشروا الكذبة التي تقول إن تلاميذه سرقوه، أو أن البستاني أخفى الجسد حتى لا يجيء الزّوَار ويدوسوا على الخسّ الذي كان يزرعه في البستان! .

وفي كتابة يهودية من العصور الوسطى أن التلاميذ سرقوا الجسد قبل دفنه، ثم أدُّوا تمثيلية القبر الفارغ، وأجَّلوا إعلان القيامة خمسين يوماً حتى يتحلل الجسد تماماً (12).

وللرد على هذه النظرية نقول:

1 - لا زلنا محتاجين لتفسير لحقيقة القبر الفارغ!

خلا القبر بفضل معجزة إلهية أو بعمل يد بشرية. ولم يكن لأعداء يسوع مصلحة في نقل الجسد، ولم يكن لأصدقاء يسوع قدرة على نقله. وكان من مصلحة المسئولين في الحكومة أن يبقى الجسد حيث هو. وسرقة التلاميذ لجسد المسيح مستحيلة، فلا بد أن يد اللّه هي التي تدخَّلت لتجعل القبر فارغاً!

ويقول لي كامو: إن كان يسوع قد وُضع في القبر يوم الجمعة ولم يُوجد به يوم الأحد، فإنه يكون إما قد نُقل أو أنه خَرَجَ من القبر بقوة نفسه! ولا يوجد بديل ثالث. فهل نُقل؟ من نقله: أعداؤه أم أصدقاؤه؟ إن الأعداء أحاطوا الجسد بالعسكر ليحفظوه داخل القبر، فليس لهم مصلحة في نقله، بل إن نقله يرّوج أكثر لفكرة قيامته التي سيخترعها التلاميذ. ولذلك فإن بقاءه في القبر يساعد أعداء المسيح على القول: هذه هي جثته... إنه لم يقم .

أما عن أصدقائه فإنهم لم يملكوا القوة ولا النية على نقله (20).

ولم يستطع الجنود أن يعطوا تفسيراً للقبر الفارغ، فرشاهم رجال السنهدريم ليرّوجوا كذبة سرقة التلاميذ للجسد وهم نيام!

2 - سرقة التلاميذ للجسد شرح غير معقول للقبر الفارغ.

(ا) لم يناقش أحدٌ العسكرَ في تفسيرهم للقبر الفارغ أن التلاميذ سرقوا الجسد وهم نيام، فإن رؤساء اليهود استعطفوا الوالي، فلم يعاقب العسكر (متى 28: 11).. ولكن الحقيقة هي أن العسكر قدموا أعظم برهان على القيامة، فإنهم لم يكذبوا وهم يخبرون الكهنة بما رأوه: لقد صدَّق شيوخ اليهود العسكر، وكان عليهم أن يجدوا تعليلاً لسر القبر الفارغ، بدون مناقشة لهم.

(ب) اتخذ اليهود والرومان احتياطات كثيرة حتى لا يُسرَق القبر. وكانت هذه الاحتياطات عقبات في طريق التلاميذ، إن هم أرادوا أن يسرقوا القبر. قال اليهود لبيلاطس إنهم يخافون من خدعة جديدة هي القيامة، وعندنا كل الدليل على أنهم بذلوا الجهد ليمنعوا التلاميذ من سرقة الجسد.. وهذا في حدّ ذاته دليل على أن التلاميذ لم يحاولوا سرقة الجسد، فكيف لجماعة الصيادين اليهود البسطاء أن يهاجموا الجنود الرومان المسلَّحين؟

(ج) إن جُبْن التلاميذ برهان على عجزهم عن مهاجمة الجنود الرومان لسرقة الجسد، فلم يكن مزاجهم النفسي يسمح لهم بعمل شيء من هذا. لقد هربوا عند محاكمة المسيح، وبعد صلبه اختبأوا في علّية.. فكيف يجرؤون على سرقة جسده؟ لقد أنكر قائدهم، بطرس، المسيح وحلف ولعن أنه لا يعرفه، وذلك حتى يَخْلُص بجلده من اتّهام جارية، فماذا جرى لبطرس بعد ساعات قليلة ليجعله يهاجم الحراس؟ لقد أنكر ثلاث مرات أنه يعرفه! فكيف يعرض نفسه لموت أكيد لو أنه هاجم الحراس، وبخاصة بعد أن مات المعلّم وضاعت كل آمالهم في أنه المسيا؟

إن مجرد التفكير في سرقة الجسد لم يحدث، بسبب المزاج النفسي الذي كان التلاميذ فيه.

(د) لو أن العسكر كانوا فعلاً نائمين، فكيف عرفوا أن الذين سرقوا الجسد هم التلاميذ؟!

قال القديس أغسطينوس: إنهم إما كانوا نائمين أو مستيقظين. فلو كانوا مستيقظين لما سمحوا بسرقة الجسد. ولو كانوا نائمين لما استطاعوا أن يحكموا بأن الجسد قد سُرق وأن سارقيه هم التلاميذ، فإن النائم لا يدري بما يحدث من حوله! إنها أكذوبة تهدم نفسها، إذ أن نصفها الأول يكذّب نصفها الثاني، لأن الحراس النائمين لا يمكنهم معرفة ما حدث.

لقد كان العذر الذي ساقه العسكر عذراً سخيفاً، فكيف ينام كل الحراس؟ وكيف ينامون كلهم ونوبة الحراسة هذه هامة لأن هناك تحذيراً مسبقاً من احتمال سرقة الجسد؟

إن القصة التي قدّمها العسكر عن سرقة الجسد كانت سخيفة حتى إن متى لم يشأ أن يردّ عليها! إن شهادة العسكر بسرقة التلاميذ لجسد المسيح تنفيها اعترافاتهم بأنهم كانوا نائمين.

(ه-) لم يكن ممكناً أن ينام كل الحراس، لأن هذا يعني توقيع حكم الإعدام عليهم. لقد كان الإعدام حكماً على الجندي الذي ينام في نوبة حراسته، فهل يقبل الحراس رشوة تكلّفهم حياتهم؟! الذي حدث أنهم أخذوا الرشوة، وذهبوا إلى قائدهم وقالوا له الحق! وهل كنا ننتظر منهم أن يفعلوا غير ذلك؟ يضحكون على الكهنة ويأخذون رشوتهم، ويخبرون الوالي بما حدث فعلاً!

وسؤال آخر: لو أن الوالي عرف أن التلاميذ سرقوا الجسد ليلاً في أثناء نوم الحراس، فلماذا لم يُحضر التلاميذ ليجري التحقيق معهم؟ إن كسر الختم الروماني معناه الموت! فلماذا لم يحكم الوالي على التلاميذ بالموت صلباً؟ أو لماذا لم يجبرهم على إحضار الجسد الذي سرقوه!؟

(و) لقد كان الحجر كبيراً جداً، فحتى لو أن الحراس كانوا نائمين لاستيقظوا على صوت دحرجة الحجر. إن محاولة التلاميذ دحرجة الحجر الكبير وكسر الأختام وأخذ الجسد كانت تُحدث ضوضاء كافية لإيقاظ بعض العسكر على الأقل!

(ز) إن بقاء الأكفان في حالتها، برهان صامت على أن أحداً لم يسرق الجسد، فليس لدى السارق الوقت الكافي ليسحب الجسد من بين الأكفان ثم يرتّب الأكفان بالوَضْع الذي كانت عليه! إن الخوف كان يجعلهم يسحبون الجسد من الأكفان بعجلة فيتركون القبر في حالة من الفوضى!

إن الوصف الذي تقدمه الأناجيل لحالة الأكفان يبعث على الدهشة والتساؤل عمن كان يملك الوقت والهدوء والتنظيم ليسحب الجسد من الأكفان، ويُبعد المنديل من على الرأس. والمجرمون لا يتركون مكانهم منظماً لأنهم يخافون من إلقاء القبض عليهم. يقول جريجوري النزينزي الذي كتب منذ 1500 سنة: إن غطاء الرأس (المنديل) الذي كان ملفوفاً في موضع وحده والأكفان الموضوعة بنظام، تُظهر أن خروج الجسد كان في هدوء وراحة، وتدِين فكرة سرقة الجسد . ويقول القديس يوحنا فم الذهب في القرن الرابع: إن الذي يسرق كان سيأخذ الجسد ملفوفاً بأكفانه، لا لكي يستر الجسد العزيز عليه وحسب، بل ليسرع بالجسد ملفوفاً حتى لا يُلقوا القبض عليه. إن المرّ يلصق الكفن بالجسم، فلم يكن هناك وقت لتخليص الجسد من كفنه. إن قصة سرقة الجسد غير معقولة (14). هل فات التلاميذ غضب اليهود وما يمكن أن يفعلوه بهم؟ ثم ماذا يعود على التلاميذ من سرقة الجسد إذا كان معلمهم قد مات ولم يقم من الأموات؟

ويقول جرينليف أستاذ القانون: إن يوحنا وهو يرى الأكفان صدّق أنه قام، فلا يمكن أن عدواً أو صديقاً يترك المكان بمثل الترتيب الذي كان القبر عليه، لو أن جسد المسيح سُرق منه (4).

ويقول هنري لاثام: لم يذكر أحد شيئاً عن الأطياب. لو أن الجسد سُرق، مع ترك الأكفان داخل القبر، لوقعت الحَنوط والأطياب من المرّ والعود على أرضية القبر ومدخله، ولصارت دليلاً على السرقة. ولكن إغفال ذكرها دليل على أنها بقيت بين طيات الأكفان (10).

(ح) لم يكن هناك ما يدعو التلاميذ لسرقة الجسد، فإن الجسد كان يرقد في تكريم في قبره. قام يوسف الرامي تجاه الجسد بالواجب كله، ولم يطلب من التلاميذ نقل الجسد. ولم يكن ممكناً أن هؤلاء التلاميذ الذين عاشوا مع المسيح ثلاث سنوات، يكذبون. كان وسطهم يهوذا الخائن، لكنه كان قد مات منتحراً. أما الأحد عشر فقد كانوا يسمعون وعظ المسيح عن البر والحق. ولم يكن ممكناً أن يجتمع الأحد عشر ليتفقوا على سرقة الجسد والكذب معلنين أنه قام! (3).

(ط) لم يكن التلاميذ قد أدركوا بعد معنى القيامة، فكيف يزّورون فكرة القيامة بالسرقة؟ (أنظر ما جاء في لوقا 24). بل أن التلاميذ اندهشوا عندما عرفوا أنه قام! ومن الواضح أنهم وهم في هذه الحالة ما كانوا ليزّوروا ويخدعوا ليقنعوا الناس بما لم يدركوه بعد!

لقد ملك اليأس قلب التلاميذ حتى أنهم كانوا شبه أموات من الخوف لا يجسرون على الحركة! فهل كان يمكن أن يسرقوا لينشروا فكرة القيامة التي لم يصدّقوا بها؟ وهل كان يمكن أن يحتملوا الاضطهاد الذي وقع عليهم لو أنهم كانوا يعلمون أنهم مخادعون مضلّون لصوص؟ إنهم لم يكونوا يعرفون الكتب التي قالت إنه سيُصلب وفي اليوم الثالث يقوم.

(ي) احتمل التلاميذ كل تعذيب لأجل بشارة القيامة، حتى الموت، ولم يتراجع واحد منهم أمام التعذيب ليعترف أن القصة ملفَّقة! لقد احتملوا كل ضرب وجلد وسجن وجوع وموت دون أن ينكر واحد منهم حقيقة القيامة!

إن ما نعرفه عن شخصيات التلاميذ المستقيمة وأمانتهم الكاملة تجعلنا نستبعد تماماً أن يكذبوا ويسرقوا لينشروا كذبة خلقوها بأنفسهم!

ولو أن بعضهم قاموا بالسرقة وخدعوا زملاءهم لاكتشف الزملاء هذا الخداع ذات يوم، فقد كانوا يعيشون في قرب قريب من بعضهم! إن تعاليم التلاميذ الأخلاقية، ونوعية حياتهم، وثبوتهم في وجه الاضطهاد تجعلنا نرفض فكرة سرقتهم للجسد.

ويقول ولبر سمث إن كثيرين من علماء اليهود يرفضون فكرة سرقة التلاميذ للجسد، بما فيهم كلاوزنر الذي قال إن التلاميذ كانوا أشرف من أن يأتوا بمثل هذه الخديعة (21).

وهل كانت سرقة الجسد تسمح لبطرس أن ينادي رؤساء الشعب وشيوخ إسرائيل بكل شجاعة معلناً أن يسوع قام؟ (أعمال 4: 8 - 12). لقد كان بطرس يعظ بما آمن به في عظته يوم الخمسين، حتى ربح ثلاثة آلاف نفس، فآمنوا بما آمن هو به! ولا يمكن أن يعظ إنسان أكاذيب بمثل هذه القوة! ولقد ظل التلاميذ يكرزون بالقيامة حتى فتنوا المسكونة (أع 17: 6).

لقد مات كل التلاميذ ميتة الاستشهاد - فيما عدا يوحنا - لأنهم أعلنوا أن يسوع قام، والناس يموتون في سبيل ما يؤمنون بصحته، ولا يمكن أن يموتوا لأجل كذبة اخترعوها!

3 - لا يمكن أن يكون اليهود أو الرومان أو يوسف الرامي قد نقلوا جسد يسوع من مكانه، وذلك للأسباب الآتية:

(ا) لا يمكن أن يكون اليهود قد نقلوا الجسد. فبعد سبعة أسابيع كان التلاميذ قد ملأوا البلاد بالكرازة أن يسوع قد قام، حتى تضايق شيوخ اليهود جداً، فإن التلاميذ حمَّلوهم مسئولية صَلْب المسيح، ملك المجد! ولو أن اليهود كانوا قد نقلوا جسد يسوع لأعلنوا هذا بسرعة ودحضوا كذبة التلاميذ! ولنادوا الناس ليروا الجسد. بل لوضعوا الجسد في عربة تجرُّها الجياد وداروا بها في أورشليم. ولو أنهم فعلوا هذا لقتلوا المسيحية في مهدها!

(ب) وكان من مصلحة الحاكم الروماني أن تبقى الجثة في قبرها، فإن بيلاطس كان حريصاً على سلام البلاد، ونقل الجسد يحدث هياجاً - لا داعي له - بين اليهود والمسيحيين. ولو أن بيلاطس كان يعرف مكان الجسد لأعلن ذلك حتى يقتل الفتنة في مهدها! فبيلاطس يريد السلام.

(ج) وما كان يمكن أن ينقل يوسف الرامي الجسد بدون أن يخبر باقي التلاميذ بذلك. فهو تلميذ مختفٍ. ولو أن يوسف نقل الجسد بدون إفادة التلاميذ، لأفادهم بذلك بعد أن سمعهم يقولون إن المسيح قد قام.

وخير ما نختم به ردودنا هنا هو أن نقول إنه لو كانت صعوبة الإيمان بقصة القيامة كما أوردتها الأناجيل كبيرة، فإن سُخْف عدم الإيمان ومنافاته للعقل أكثر صعوبة!!

3 - نظرية الهلوسة:

كانت ظهورات المسيح بعد القيامة خيالات. والذي حدث فعلاً هو مجرد هلوسة من الذين قالوا إنهم رأوا المسيح المقام .

وللرد على هذه النظرية نقول:

قال كلايف لويس في كتابه المعجزات : في أيام المسيحية الأولى وضعوا تعريفاً للرسول بأنه شخص رأى القيامة بعينيه. وبعد أيام قليلة من الصلب رشَّح التلاميذ شخصين ليحلَّ أحدهما محل يهوذا، وكان شرط ترشيح كل منهما أن يكون شاهد عيان للمسيح قبل الصلب وبعده، حتى يشهد للعالم بما رآه من جهة القيامة (أعمال 1: 22). وبعد أيام قليلة من ذلك وقف الرسول بطرس يقول: فَيَسُوعُ هذَا أَقَامَهُ اللّ هُ، وَنَحْنُ جَمِيعاً شُهُودٌ لِذ لِكَ (أعمال 2: 32). وفي رسالة الرسول بولس الأولى لأهل كورنثوس يقدم بولس ورق اعتماده كرسول على أنه قد رأى المسيح المقام (18).

ولو أن ما رآه الرسل كان مجرد هلوسة، فإن إرساليتهم تكون باطلة من أساسها! ويكون إيماننا المسيحي ظاهرة مَرَضيّة نشرتها جماعة من المرضى العصبيين!

فهل كان ما رآه التلاميذ من ظهورات المسيح مجرد رؤى وخيالات؟

إن تعريف الرؤيا أنها (على حدّ قول وايس) رؤية شيء لا يتمشَّى مع المنظورات الحسّية، فلم تتأثر أعصاب العين بذبذبة ضوئية، ولكنها تأثرت بسبب نفسي داخلي! وفي الوقت نفسه يظن صاحب الرؤيا أن تأثره النفسي الداخلي حقيقة موضوعية واقعية (3).

فهل كان ما رآه التلاميذ رؤى لا يسندها الواقع؟

إن وصف العهد الجديد ينفي هذه النظرية. ويقول هلير ستراتون إن المهلوسين لا يمكن أن يصبحوا أبطالاً! ولكن الذين شاهدوا المسيح المقام كانوا أبطالاً ذهبوا للموت بأقدام ثابتة من أجل ما رأوه.

ونظرية الهلوسة تناقض بعض ما يقوله الأطباء النفسيون عن الرؤى:

(ا) إن المصابين بالهلوسة هم عادة أصحاب خيال واسع ومتوتّرون. ولكن المسيح ظهر لعدد كبير من الناس المختلفين في أمزجتهم، فمريم المجدلية كانت تبكي، والنسوة كنَّ خائفات ومندهشات، وبطرس كان نادماً، وتوما كان شكاكاً، وتلميذا عمواس كانا يراجعان أحداث الأسبوع، والتلاميذ في الجليل كانوا يصيدون.. ولا يمكن أن يكون كل هؤلاء من المصابين بالهلوسة.

(ب) الهلوسة ترتبط باختبارات الفرد الماضية المترسبة في عقله الباطن. ويقول راؤول مورجو العالم النفسي إن ظواهر الهلوسة غير مستمرة ولا متشابهة، فالهلوسة ليست استاتيكية بل ديناميكية تعكس عدم الاستقرار بسبب العوامل والظروف المصاحبة لحصولها.

وعلى هذا فمن غير المحتمل أن شخصين تصيبهما الهلوسة ذاتها في الوقت ذاته!

لقد ظهر المسيح لأكثر من خمسمائة شخص في مرة واحدة.. وليس من المعقول أن يكون هؤلاء جميعاً مصابين بذات الهلوسة، فإنهم مختلفون نفسياً، ومن خلفيات وأمزجة مختلفة، والترسُّبات السابقة في عقولهم الباطنة مختلفة، فلا يمكن أن يُصابوا جميعاً وفي وقت واحد بهلوسة رؤية المسيح (12).

ويخبرنا العلم عن حالات رأت فيها جماعة من الناس ذات الرؤيا في ذات الوقت، لكنها كانت مصحوبة بإثارة مَرَضيّة للحالة العقلية مع حالة مرضية بدنية خصوصاً بسبب عواطف عصبية. فإذا افترضنا أن بعض التلاميذ كانوا في مثل هذه الحالة، فإننا لا يمكن أن نقول إنهم جميعاً كانوا كذلك، فإنهم مختلفون. لقد كان تلميذا عمواس يدرسان الحالة بعقل واع، وتوما الشكّاك كان يحلّل الأمور، وبطرس الصياد الخشن، وأكثر من 500 أخ.. هؤلاء وغيرهم التقوا بيسوع في أوقات مختلفة (في الصباح عند القبر - في حديث على الطريق - في حلقة صيد عند البحيرة). هؤلاء جميعاً لم يكونوا في ذات المكان ولا تحت نفس التأثيرات - وهل يمكن أن كل هؤلاء المهلوسين يُعلنون الخبر نفسه باتفاق كامل في التفاصيل، ويُقنعون السامعين أنهم عقلاء؟ لا بد أن واحداً منهم سيُراجع نفسه فيما بعد، خصوصاً بعد أن يقع عليه الضرب والجلد!

إن المسيح عندما اختار التلاميذ لم يختر مرضى نفسيين، فإنه علم ما في الإنسان. ولو أنه اختار هؤلاء المرضى لشفاهم. ولو أنه اختار المرضى لينشروا هلوستهم لكان هو صانع الخطأ وناشر الخداع! وهذا مستحيل! (3).

(ج) يقول العالمان النفسيان هنزي وشاتسكي من جامعة أوكسفورد: الوهم إدراك حسي خاطئ، واستجابة خاطئة لما يثير الحواس (23) ثم يقولان: ولكن لدى الشخص العادي قدرة أن يكشف الوهم، إذ تسرع بقية حواسه لانقاذه منه (23).

ولا يمكن أن تكون ظهورات المسيح إدراكات حسية خاطئة. ويقول ولبر سمث إن لوقا عالِم مدقّق يفحص الموضوع الذي يكتب عنه. ولوقا يقول في مطلع سفر الأعمال إن يسوع أراهم نفسه حياً ببراهين كثيرة، والأناجيل تسجل ما لمسته يدُ المصادر التي أخذ عنها قصته، وما سمعته آذانهم وما رأته عيونهم.. وهذه هي البراهين العملية الكثيرة (3).

ويقول سبارو سمبسون إن ظهورات المسيح لمست حواس التلاميذ المختلفة من بصر وسمع ولمس (7) ونرى هذا من الروايات الانجيلية التالية:

أاُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ. جُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي . وَحِينَ قَالَ هذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ,,. فَنَاوَلُوهُ جُزْءاً مِنْ سَمَكٍ مَشْوِيٍّ، وَشَيْئاً مِنْ شَهْدِ عَسَلٍ. فَأَخَذَ وَأَكَلَ قُدَّامَهُمْ (لوقا 24: 39 - 43).

أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلَامِيذُ إِذْ رَأَوُا الرَّبَّأ (يوحنا 20: 20).

قال توما: إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لَا أُومِنْ . قَالَ يَسُوعُ لِتُومَا: هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلَا تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِناً (يوحنا 20: 25 - 29).

لقد رأوا يسوع، ولمسوه، وسمعوه (متى 28: 9 ، 10).

(د) الهلوسة عادة محدودة بموعد ومكان خاص، وتحدث عادة في مكان وجّو يصعب استعادته واسترداده، أو في وقت يستغرق فيه الإنسان في الذكريات (24).

ولكن ظهورات المسيح كانت في أماكن لا تجلب الهلوسة، بحسب كلام علماء النفس. فلو أن ظهورات المسيح حدثت في مكان أو اثنين لهما صفة قدسية أو ذكريات خاصة، حيث يكون التلاميذ في حالة انتظار، لقلنا إن هذه هلوسة. ولكن هذا لا يصدق على ظهورات المسيح. لو أن كل الظهورات حدثت في العلّية، أو لو أن كل الظهور حدث للأحد عشر في مكان صرف فيه المسيح آخر ساعاته معهم قبل الصلب، وظل المكان خالياً انتظاراً لعودته، وهم يردّدون وعده بالعودة، حتى تتحول توقُّعاتهم إلى رؤيا وهمية... لكان لنا الحق أن نقول إن ظهورات المسيح هلوسة (2).

ولكن ظهورات المسيح كانت في أماكن كثيرة، ليس لكلها صفة خاصة.. ولم يكن التلاميذ يتوقعون ظهوره. ثم أنهم لم يروه فقط، لكنهم تحدثوا معه، وكانت المناقشات في ظروف متعدّدة متنوعة، وكان هناك شهود كثيرون، لم تكن مقابلتهم له عابرة، بل طويلة عامرة بالحديث!

ظهر صباحاً للنسوة عند القبر (متى 28: 9 ، 10).

وبعد الظهر لتلميذي عمواس في الطريق العام (لوقا 24: 13 - 33).

وفي ضوء النهار عقد محادثتين خاصتين (لوقا 24: 34)، (1 كورنثوس 15: 7).

وذات صباح عند البحيرة (يوحنا 21: 1 - 23).

وعلى جبل بالجليل، ظهر لأكثر من 500 مؤمن (1 كورنثوس 15: 6).

هذه ظهورات متنوعّة، في أماكن متعددة مختلفة، ولا يمكن أن تكون هلوسات رؤى وهمية.

(ه-) الهلوسة عادة تجيء الأشخاص الذين يتوقَّعون ويرجون حدوث شيء، فتكون أشواقهم مولِّدة للهلوسة! (24). إن إيمانهم بالفكرة وتوقُّعهم لها وتشوقّهم إليها تجعلهم يرونها. وعلى هذا فإن رؤية جماعة من الناس لشيء وهمي يحتاج إلى استعداد نفسي خاص يستغرق وقتاً طويلاً (1) فمثلاً الأم التي فقدت ابنها في الحرب، والتي كانت معتادة أنه يرجع إلى البيت كل يوم في السادسة مساء، لو أنها جلست كل يوم في نفس الموعد، في كرسيّها المريح تتوقع عودته، فإنها أخيراً تظن أنها تراه داخلاً وتحدّثه، وتكون عندئذ قد انفصلت عن الواقع!

ولكن الذي حدث مع التلاميذ كان غير ذلك. لقد آمنوا بالقيامة بالرغم من إرادتهم. ولم تُخلق القيامة من داخل عقولهم، لكنها جاءتهم من خارج إرادتهم. لقد صدّقوا قيامة المسيح ببطء شديد، بعد أن ألحَّ عليهم المنطق والحقائق الدامغة!

فاجأ اليوم الأول للقيامة التلاميذ وهُمْ في اتجاهات فكرية مختلفة، لم يكن من ضمنها انتظارهم القوي ولا استعدادهم لمشاهدته. كان إيمانهم به قد اهتّزَ بعد كارثة موته، موت الملعون الذي عُلِّق على خشبة، كما يقول ناموسهم (تثنية 21: 23) فكانت آمالهم محطَّمة جعلت عودتهم للأمل بطيئة! (1).

بل إن التلاميذ لم يتوقَّعوا القيامة بالمرة، فمريم تأخذ الحنوط معها صباح الأحد لكي تدهن جسده المسجَى في القبر. وعندما رأته ظنت أنه البستاني (مرقس 16: 1 ويوحنا 20: 15). وعندما ظهر للتلاميذ في العلية جزعوا وخافوا وظنوا أنهم نظروا روحاً (لوقا 24: 37) حتى أن المسيح طلب منهم أن يجسُّوه ليؤمنوا! لأن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي (11).

ويقول كلايف لويس إنه في ثلاث حالات من الظهورات كانت الهلوسة بعيدة جداً عن معرفة أن يسوع قام (لوقا 24: 13 - 31 ويوحنا 20: 15 ، 21: 4) (18).

(و) تظهر الهلوسة عادة في فترات متباعدة من الوقت بانتظام ملحوظ، وقد يزيد ظهورها حتى تحدث أزمة، أو يقلّ ظهورها تدريجياً حتى يبطل (24).

ويقول كلايف لويس إن هذا ليس الحال مع المسيح في ظهوراته. إن الشبح يختفي، ولكن الشخص الحي لا بد أن يذهب إلى مكان ما ويحدث معه شيء (18). وهذا ما حدث للمسيح فقد صعد إلى السماء بعد قيامته. لقد توالت ظهورات المسيح مدة أربعين يوماً ثم توقفت، فيما عدا ظهوره لشاول الطرسوسي في ظروف خاصة. فإن كانت ظهورات المسيح هلوسة، فلماذا توقفت فجأة؟ ولماذا لم يعد محبّو المسيح يرونه بعد صعوده رغم شوقهم لذلك. لقد حل محل ذلك قيام التلاميذ ببرنامج ضخم لتبشير العالم، كلَّفهم الكثير!

لم يكن التلاميذ ساذجين بل حريصين شكاكين بطيئي القلوب في الإيمان . وعلى هذا فإنهم لم يكونوا معرَّضين للهلوسة، ولم تكن الرؤى الغريبة تشبعهم، بل كان إيمانهم مؤسساً على الحقائق الواقعة والاختبارات الحقيقية (2).

ولم يحدث أن الهلوسة جعلت الناس يقومون بمثل هذا العمل الضخم الناجح، بولاء ونكران ذات ويقاسون في سبيله. ولم يحدث أن هلوسة حركت العالم هكذا وغيَّرته!

4 - نظرية الخطأ في القبر:

قصد النسوة وكل الباقين قبراً غير الذي دُفن فيه يسوع . وصاحب هذه النظرية اسمه ليك . ويقول إن من المشكوك فيه أن النسوة عرفن القبر الصحيح، فإن أورشليم كانت محاطة بعدد كبير من القبور المحفورة في الصخور، حتى يصعب معرفة القبر المقصود. ومن المشكوك فيه أن النسوة كنَّ قريبات من القبر وقت الدفن. والأرجح أنهن كن يراقبن يوسف الرامي من بعيد، لأنه كان يمثل اليهود أكثر من تمثيِلِه للتلاميذ، وعلى هذا فإنه كان يصعب عليهن تمييز القبر. ومن المحتمل إذاً أنهن أتين إلى قبر آخر. ومما يبرهن هذه النظرية أنهن كن قلقات بشأن الحجر الكبير، ولكنهن لم يجدنه، بل وجدن القبر مفتوحاً.

وتكون القصة أن النسوة جئن في الصباح الباكر إلى قبر مفتوح فارغ باعتبار أنه قبر المسيح. كن ينتظرن قبراً مغلقاً، فإذا به مفتوح وبداخله شاب خمَّن الهدف من مجيئهن، فقال لهن: ليس هو ههنا. هوذا الموضع الذي وضعوه فيه وأشار إلى القبر الخالي، ولكن النسوة الخائفات هربن!

وللرد على هذه النظرية نقول:

(ا) لقد عرفت النسوة مكان دفن يسوع، قبل زيارتهن للقبر بأقل من 72 ساعة، فيقول متى: وَكَانَتْ هُنَاكَ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الْأُخْرَى جَالِسَتَيْنِ تُجَاهَ الْقَبْرِ (27: 61).

ويقول مرقس: وَكَانَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يُوسِي تَنْظُرَانِ أَيْنَ وُضِعَ (: 47).

ويقول لوقا: وَتَبِعَتْهُ نِسَاءٌ كُنَّ قَدْ أَتَيْنَ مَعَهُ مِنَ الْجَلِيلِ، وَنَظَرْنَ الْقَبْرَ وَكَيْفَ وُضِعَ جَسَدُهُت (23: 55).

فهل نظن أن شخصاً عاقلاً ينسى بسرعة مكان شخص عزيز، وُضع فيه منذ أقل من 72 ساعة؟

(ب) أخبرت النسوة الرسل بما رأين، فذهب بطرس ويوحنا إلى القبر فوجداه فارغاً (يوحنا 20: 2 - 8).

فهل ذهب بطرس ويوحنا إلى قبر خطأ؟ لسنا نظن أنهما هما أيضاً وقعا في نفس الخطأ وذهبا إلى القبر الخطأ!

(ج) قال الملاك للمرأتين: هَلُمَّا انْظُرَا الْمَوْضِعَ الّذِي كَانَ الرَّبُّ مُضْطَجِعاً فِيهِ (متى 28: 6) - فهل أخطأ الملاك أيضاً؟

وقد قام معلّق غريب يقول - لإثبات هذه النظرية - إن الملاك قال: أخطأتما المكان. تعاليا إلى هنا لتريا المكان الذي كان الرب مضطجعاً فيه . ولم يحدث في كل تاريخ دراسة المخطوطات أن سمعنا مثل هذا السُّخف! فإن كل المخطوطات القديمة تقدّم كلمات الملاك حسب النصّ الذي عندنا في الإنجيل اليوم.

(د) لو أن النسوة ذهبن للقبر الخطأ، فلماذا لم يذهب رجال السنهدريم للقبر الصحيح ليعلنوا للملأ كذب فكرة القيامة ويفحموا التلاميذ؟ لا شك أن رؤساء الكهنة وسائر الأعداء كانوا قادرين على الذهاب إلى القبر الصحيح وإشهار كذب التلاميذ!

(ه-) لو أن النسوة والرومان واليهود والكل ذهبوا إلى القبر الخطأ - فلماذا لم يُصلح يوسف الرامي الأمور؟ لقد كان يعرف قبره!

(و) يقول ليك في نظريته إن الشاب قال كلاماً للنسوة ولكنه يقدم اقتباساً ناقصاً. ويقول مرقس: وَلَمَّا دَخَلْنَ الْقَبْرَ رَأَيْنَ شَابّاً جَالِساً عَنِ الْيَمِينِ لَابِساً حُلَّةً بَيْضَاءَ، فَا نْدَهَشْنَ. فَقَالَ لَهُنَّ: لَا تَنْدَهِشْنَ! أَنْتُنَّ تَطْلُبْنَ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ الْمَصْلُوبَ (مرقس 16: 5 و6). ونورد هنا الاقتباس الصحيح والاقتباس الناقص:

الاقتباس الناقص:

ليس هو ههنا. هوذا الموضع الذي وضعوه فيه ولا يذكر قول الملاك: قد قام .

الاقتباس الصحيح:

قد قام. ليس هو ههنا. هوذا الموضع الذي وضعوه فيه .

والعالِم الحقيقي هو الذي يُثبت الحقائق كلَّها ولا يقدم اقتباساً ناقصاً.

(ز) بعد رجوع النسوة للتلاميذ كان يمكن حدوث أمر من اثنين: أن يذهب التلاميذ للقبر للتحقُّق من كلام النسوة.

أو أن يبدأوا إعلان القيامة على الملأ فوراً.

ولكن البدء في الكرازة بالقيامة حدث بعد ذلك بسبعة أسابيع. ويقول فرنك موريسون إن اعتماد النسوة على الرسل يهدم الخطأ في القبر..

لقد اضطر ليك أن يقول إن النسوة بقين في أورشليم حتى صباح الأحد الذي ذهبن فيه إلى القبر، وإن الرسل غادروا أورشليم قبل الشروق يوم الأحد، لأن النظرية تقول إن النسوة لم يخبرن أحداً. ويضطر ليك أن يقول إن النسوة بقين في أورشليم عدة أسابيع كان التلاميذ أثناءها قد رجعوا إلى بيوتهم، ومارسوا أشغالهم المختلفة، ثم رجعوا إلى أورشليم. ويقول موريسون إن كل هذه افتراضات كاذبة، لتجعل نظرية الخطأ في القبر مقبولة (13).

(ح) كانت النسوة قد جئن بحنوط لدهن الجسد، وليس من المعقول أن يرجعن بدون استعمالها، خصوصاً بعد أن أشار لهن الشاب إلى القبر الصحيح (كما تدَّعي النظرية!).

(ط) لم تكن هذه مقبرة عامة، بل كان القبر خاصاً في بستان، ليس معه احتمال خطأ في الذهاب إلى قبر آخر، يحتاج معه الأمر إلى أن شاباً يشير للنسوة إلى القبر الصحيح (كما تدَّعي النظرية) فيهملْنَ هذا التوجيه!!

(ك) لماذا يذهب شاب ليجلس في قبر في وقت مبكر، سواء كان في مقبرة عامة أو في قبر خاص في بستان؟ ما هو الدافع؟ إن هذه النظرية لا تردّ على هذا التساؤل. وإن كان هذا الشاب أحد التلاميذ المحبين ليسوع، فلماذا خافت النسوة منه؟!

يقول مرقس إن النسوة دخلن القبر ورأين الشاب داخل القبر.. هذا يعني أنه كان يشير إلى المكان الذي وُضع فيه يسوع داخل القبر.

(ل) قال البعض إن هذا الشاب هو البستاني. لكن إن كان نور النهار كافياً له ليعمل، فإن النسوة كن يقدرن أن يعرفنه. أما إن كان النور ليس كافياً، فلم يكن هناك داعٍ لوجوده في داخل القبر!

ولو أن هذا الشاب كان البستاني، وأرشد النسوة إلى خطئهن في القبر، فلماذا لم يستخدمه رؤساء الكهنة ليطعن في قصة القيامة؟ لم يكن هو البستاني بل كان ملاكاً من السماء، وعرف الجميع أن قبر يسوع أصبح فارغاً وكان سؤال الجميع هو: كيف حدث هذا؟!

(م) إن قصة ذهاب النسوة إلى قبر خطأ لا تسندها حقائق تاريخية، لكنها تنبع من رفض حدوث ما هو فوق طبيعي !

ثامناً - الخاتمة: بالحقيقة قام!

يقول جون وورويك مونتجمري:

صرف المسيح أيامه يصنع خيراً للآخرين، لكنه ربح الضرر لنفسه! إنه مثل سقراط في أنه أثار مواطنيه حتى قتلوه. لقد كان هدف سقراط أن يعرف مواطنوه نفوسهم، أما المسيح فكان هدفه أن مواطنيه يعرفونه هو: من تقولون إني أنا؟ . ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟ ولم يترك المسيح الناس في شك من جهة حقيقته، فقد قال لتوما: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الْآبِ إِلَّا بِي (يوحنا 14: 6). وقال بولس إن المسيح تعيَّن (أي أُعلن أنه) ابن اللّه بقوة بالقيامة من الأموات (رومية 1: 4) .

وتهدف المسيحية إلى أن تعرف أنت موقفك من المسيح الحي المقام. وعليك أن تأخذ قرارك تجاهه. ماذا تظن في المسيح، أمام كل هذه الحقائق والأدلة الدامغة على صدق إنجيل المسيح؟

يسوع قام. بالحقيقة قام!

 

مسابقة الكتاب

إن جاوبت على عشرة أسئلة إجابة صحيحة، من الأسئلة الخمسة عشر التالية، وأرسلت الإجابة لنا، نرسل لك جائزة قيمة. لا تنس كتابة اسمك بوضوح وعنوانك كاملا داخل الرسالة، وليس على المظروف فقط.

1 - قدم برهاناً تاريخياً على أن المسيح شخص تاريخي.

2 - اذكر خمسة شواهد كتابية بفم المسيح قال فيها عن نفسه إنه الله.

3 - اذكر خمس آيات من فم رسل المسيح تشهد أن المسيح هه الله.

4 - قال السيد المسيح: أنا والآب واحد - هناك ثلاثة احتمالات تواجهنا من هذا القول - ما هي؟

5 - لو أن الله جاءنا إنساناً، فهناك ثمانية توقعات لهذا المجيء - اذكرها.

6 - ما هي الأهداف الثلاثة لنبوات التوراة عن المسيا المخلِّص الآتي؟

7 - اذكر خمس نبوات في العهد القديم تحققت في المسيح، تُمثِّل مراحل مختلفة من حياته، من ميلاده الى قيامته وصعوده.

8 - لماذا جعل المحامي فرنك موريسون عنوان الفصل الأول من كتابه الكتاب الذي رفض أن يُكتب ؟

9 - كيف تبرهن أن المسيح قد مات فعلاً؟

10 - كيف تكذّب ادّعاء أن التلاميذ سرقوا جسد المسيح من قبره والحراس نيام؟

11 - كيف يبرهن القبر الفارغ أن المسيح قام فعلاً؟

12 - كيف برهنت حالة الأكفان أن المسيح قام؟

13 - اذكر عشر مرات ظهر المسيح فيها بعد قيامته.

14 - كيف تبرهن أن المسيح لم يُغْمَ عليه في قبره؟

15 - كيف تبرهن أن النسوة لم يذهبن الى قبرٍ غير قبر يسوع - لكنهن زُرْنَ قبر المسيح فعلاً؟

مراجع الفصل السادس

1. E. Hermitage Day, on The Evidence of the Resurrection SPCK London, 1906"

2. John Scott, Basic Christianity, Inter-Varsity Press, 1971.

3. Wilbur Smith. Therefore, Stand: Christian Apologetics, Baker Book House, 1965.

4. Simon Greenleaf, Testimony of the Evangelists, Examind by the Rules of Evidence Administered in courts of Justice, Baker Book House, 1965.

5. Wilbur M. Smith, "Scientists and the Resurrection" Christianity Today, April 15, 1965.

6. Michael Green, Man Alive, Inter-Varsity Press., 1968. 7. W. J. Sparrow Simpson. The Ressurection and the Christian Faith, Zondervan, 1968.

8. John P. Mattingly, Crucifixion: Its Origin and Application to Christ, Unpublished Th. M. Thesis: Dallas Theo Seminary May 1961.

9. Fredrick Cook, Commentary on the Holy Bible, John Murray, 1878.

10. Henry Latham, The Risen Master, Deighton, Bell and Co, 1901.

11. Alfred Edershein, The Life and Times of Jesus the Messiah, Eerdmans, 1962.

12. Thomas James Thorburn, the Resurrection Narratives and Modern Criticism, Trench, Trubner and Co., 1910.

13. Frank Morroson, Who Moved the Stone, Faber and Faber., 1967.

14. Chrysostom, Homilles on the Gospel of Saint Mathew, Christian Literature Company, 1888.

15. George Currie, The Military Discipline of the Romans From the Founding of the city to the close of the Republic, 1928.

16. Alfred Eedersheim, The Temple: Its Ministry qnd Services, Eerdmans, 1958.17. James Hastings, John Selbie and John Lambertt )eds.(, A Dictionary of Christ and the Gospels, ChaScribners Sons, 1909.

18. C. S. Lewis, Miracles, A Preliminary Study, Macmillan, 1947.

19. David Friedrich Strauss, The Lif of Jesus for the People, Williams and Norgate, 1879.

20. E. Le Camus, The Lif of Christ, Cathedral Library Assoc, 1908.

21. Wilbur M. Smith, A Great Certainity in thid hour of World Crises, Van Kempin Press, 1951.

22. Hillyer H. Starton, I believe our Lords Resurrection, Christianity today, March 31, 1958.

23. L. E. Hinsie and J. Shatsky, Psychiatric Dictionary, Osford U. Press, 1948.

24. J.N.D. Anderson, Christianity: The Witness of History, Tyndale Press, 1970.

عودة الى الصفحة الرئيسية